ثورة في سوق العمل الرقمي.. ماذا تعرف عن أول اتفاقية دولية لحماية وتنظيم عمل ملايين العاملين عبر المنصات الرقمية؟

كتبت _ نجوى ابراهيم
شهدت الدورة (114) لمؤتمر العمل الدولي في جنيف لحظة تاريخية فارقة باعتماد أول اتفاقية دولية ملزمة بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، لتضع إطارًا قانونيًا عالميًا ينظم أوضاع ملايين العاملين عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحماية الاجتماعية والمهنية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل العالمي.
وجاء اعتماد الاتفاقية بعد سنوات من الجدل والمفاوضات المعقدة بين الحكومات ومنظمات أصحاب الأعمال والنقابات العمالية، وسط تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية في توفير فرص العمل والخدمات، سواء في النقل الذكي، أو توصيل الطلبات، أو العمل الحر عبر الإنترنت، أو غيرها من الأنشطة التي أصبحت تمثل جزءًا متناميًا من الاقتصاد العالمي.
وتكتسب الاتفاقية أهمية استثنائية باعتبارها أول معاهدة دولية تتعامل بشكل مباشر مع التحديات التي فرضها الاقتصاد الرقمي، وتسعى إلى تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والاستثمار التكنولوجي من جهة، وضمان حقوق العاملين وعدم تحول التكنولوجيا إلى وسيلة للانتقاص من الحماية العمالية من جهة أخرى.

وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن أكثر من 435 مليون شخص حول العالم يعملون بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر المنصات الرقمية، وهو ما جعل الحاجة ملحة لوضع قواعد دولية تنظم هذا القطاع سريع النمو، الذي ظل لسنوات يعمل في مناطق قانونية رمادية تختلف من دولة إلى أخرى.
حسم الجدل
وتعد قضية تصنيف العاملين عبر المنصات من أبرز القضايا التي عالجتها الاتفاقية، حيث شهدت السنوات الماضية خلافات واسعة حول ما إذا كان العاملون عبر التطبيقات يُعدون موظفين أم متعاقدين مستقلين.
وفي هذا الإطار، وضعت الاتفاقية معايير واضحة تمنع إساءة تصنيف العاملين وحرمانهم من حقوقهم القانونية، مؤكدة أن طبيعة علاقة العمل يجب أن تُحدد وفقًا للواقع الفعلي للعلاقة المهنية ومدى سيطرة المنصة على شروط العمل، وليس فقط استنادًا إلى الصياغات التعاقدية التي تضعها الشركات.
كما تدعو الاتفاقية إلى ضمان حصول العاملين على شروط عمل واضحة وعادلة، مع توفير آليات تضمن عدم التهرب من الالتزامات المرتبطة بالأجور والحماية الاجتماعية والتأمينات.
حقوق أساسية لا يجوز المساس بها
وأكدت الاتفاقية أن جميع العاملين في اقتصاد المنصات يتمتعون بالحقوق الأساسية المعترف بها دوليًا، وفي مقدمتها الحرية النقابية، والحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية، والقضاء على جميع أشكال العمل الجبري وعمل الأطفال والتمييز في الاستخدام والمهنة.
كما شددت على ضرورة توفير بيئة عمل آمنة وصحية للعاملين، واتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم من المخاطر المهنية التي قد يتعرضون لها أثناء أداء العمل، سواء في المجال الرقمي أو الميداني.
أول تنظيم دولي للإدارة الخوارزمية
ومن أبرز ما يميز الاتفاقية أنها تدخل للمرة الأولى إلى قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التي تدير العمل عبر المنصات الرقمية.
فقد ألزمت الاتفاقية الشركات والمنصات بالشفافية بشأن كيفية عمل الأنظمة الرقمية المستخدمة في توزيع المهام وتقييم الأداء وتحديد الأجور والمكافآت وترتيب الأولويات بين العاملين.
كما منحت العاملين الحق في معرفة الأسس التي تستند إليها القرارات المؤثرة على أوضاعهم المهنية، وأوجبت توفير معلومات واضحة ومفهومة بشأن آليات اتخاذ تلك القرارات.

وفي سابقة تشريعية دولية، حظرت الاتفاقية اتخاذ قرارات الفصل أو إغلاق الحسابات أو فرض العقوبات بشكل آلي بالكامل من خلال الخوارزميات دون تدخل بشري، وأكدت حق العاملين في الاعتراض والتظلم والحصول على مراجعة بشرية عادلة لأي قرار يؤثر على مصدر رزقهم.
وخصصت الاتفاقية جانبًا مهمًا لحماية البيانات الشخصية للعاملين، حيث وضعت ضوابط لاستخدام المعلومات التي تجمعها المنصات الرقمية أثناء إدارة العمل.
كما أكدت ضرورة احترام خصوصية العاملين وعدم استغلال بياناتهم الشخصية أو المهنية بصورة تتجاوز الأغراض المشروعة المرتبطة بتنظيم العمل وتقديم الخدمة.
وتدعو الاتفاقية الدول إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تمتع العاملين عبر المنصات بالحماية الاجتماعية المناسبة وفقًا للتشريعات الوطنية، بما يشمل نظم التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية والتعويضات المرتبطة بإصابات العمل والحوادث المهنية.
ويُنظر إلى هذا البند باعتباره أحد أهم المكاسب التي حققتها الاتفاقية، خاصة في ظل معاناة أعداد كبيرة من العاملين عبر المنصات من غياب مظلات الحماية التقليدية المتاحة للعاملين في القطاعات المنظمة.
مواجهة العنف والتحرش
ولم تغفل الاتفاقية التحديات المرتبطة بالعنف والتحرش، حيث نصت على ضرورة اتخاذ تدابير فعالة لحماية العاملين من مختلف أشكال الإساءة أو التمييز أو التحرش أو العنف أثناء العمل.
كما أكدت أهمية توفير آليات سريعة وفعالة للإبلاغ عن هذه الممارسات والتعامل معها، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وفي مقدمتها النساء العاملات عبر المنصات.

اعتراف كامل بالحقوق النقابية
وأعادت الاتفاقية التأكيد على حق العاملين عبر المنصات في تأسيس النقابات والانضمام إليها والمشاركة في المفاوضة الجماعية والدفاع عن مصالحهم المهنية.
كما دعمت حقهم في التعبير الجماعي عن مطالبهم بصورة سلمية، بما يعزز من قدرتهم على تحسين شروط العمل والحصول على معاملة عادلة داخل بيئة العمل الرقمية.
ماذا بعد اعتماد الاتفاقية؟
ورغم اعتماد الاتفاقية داخل مؤتمر العمل الدولي، فإن دخولها حيز التنفيذ يتطلب تصديق الدول عليها وفق الإجراءات الدستورية والتشريعية المعمول بها في كل دولة.
كما تلتزم الدول الأعضاء بعرض الاتفاقية على سلطاتها التشريعية المختصة للنظر في التصديق عليها واتخاذ ما يلزم من إجراءات لتطوير التشريعات الوطنية بما يتوافق مع أحكامها ومعاييرها.
ويرى مراقبون أن الاتفاقية تمثل نقطة تحول كبرى في تاريخ معايير العمل الدولية، ليس فقط لأنها أول اتفاقية مخصصة لاقتصاد المنصات، بل لأنها تؤسس لمفهوم جديد يربط بين التطور التكنولوجي والعدالة الاجتماعية، ويؤكد أن مستقبل العمل الرقمي يجب أن يقوم على الابتكار من جهة، واحترام حقوق الإنسان والعمل اللائق من جهة أخرى.








