أهم الأخبارمنوعات

قراءة في تجربة مجلس الشباب المصري.. كيف صنع العمل الميداني نموذجًا مختلفًا للمجتمع المدني؟

 

قراءة وتحليل : نجوى ابراهيم 

لا يهدف هذا التقرير إلى استعراض أنشطة مؤسسة أو سرد فعالياتها، بقدر ما يسعى إلى قراءة تجربة فرضت حضورها في المشهد المجتمعي، واستطاعت أن تقدم نموذجًا مختلفًا في العمل الأهلي، يقوم على الاقتراب من الناس، والاستثمار في الإنسان، والانتقال من ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات.

فمن بين عشرات مؤسسات المجتمع المدني، برز مجلس الشباب المصري بوصفه تجربة تستحق التوقف أمامها لفهم عوامل نجاحها، وكيف نجحت في الجمع بين الرؤية والتنفيذ، وبين الفكر والعمل، وبين العمل المؤسسي والوجود الحقيقي على الأرض.

نجاح مؤسسات المجتمع المدني لا  يقاس بعدد المؤتمرات التي تعقدها أو البيانات التي تصدرها، بل بقدرتها على أن تكون شريكًا في التنمية، وأن تلامس احتياجات المجتمع، وتقدم حلولًا وأفكارًا تسهم في بناء الوعي وصناعة المستقبل.

وفي هذا الإطار، يبرز مجلس الشباب المصري باعتباره أحد النماذج التي انتقلت من دائرة العمل التقليدي إلى مساحة أوسع من التأثير، مستندًا إلى فلسفة تقوم على الحضور الميداني، والتواصل المباشر مع المواطنين، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة الفعلية في صناعة المبادرات.

ولعل ما يميز تجربة المجلس أنها لم تُبنَ على فكرة النشاط من أجل النشاط، وإنما على رؤية تعتبر أن المجتمع المدني يجب أن يكون قريبًا من الناس، حاضرًا في تفاصيل حياتهم، ومشاركًا في مناقشة قضاياهم، ومساهمًا في صياغة حلول واقعية لها.

ومن هنا، اتجه المجلس إلى العمل داخل المحافظات، والاستماع إلى الشباب، وبناء مبادرات تنطلق من احتياجات حقيقية، لا من تصورات نظرية أو أجندات جاهزة.

 

ولم يتعامل المجلس مع الشباب باعتبارهم جمهورًا يتلقى الخدمات أو يحضر الفعاليات، بل نظر إليهم باعتبارهم شركاء في التخطيط والتنفيذ، وهو ما انعكس في برامج إعداد القيادات، والتأهيل للعمل العام، ودعم ريادة الأعمال، وتنمية المهارات، وإعداد كوادر قادرة على المشاركة في الإدارة المحلية، إلى جانب الاهتمام بالتكنولوجيا، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، باعتبارها أدوات أساسية لبناء مستقبل أكثر قدرة على المنافسة.

وفي الوقت نفسه، حرص المجلس على أن تكون رؤيته للتنمية شاملة لا تقتصر على الشباب وحدهم، فاحتلت المرأة مساحة واضحة في برامجه ومبادراته، انطلاقًا من قناعة بأن تمكين المرأة ليس ملفًا منفصلًا، وإنما جزء أصيل من عملية التنمية.

لذلك عمل على دعم مشاركة المرأة في العمل العام، وإعداد قيادات نسائية، وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة في المبادرات والبرامج التدريبية، بما يعزز حضورها في مختلف المجالات.

كما أولى المجلس اهتمامًا متزايدًا بالأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال تبني فلسفة تقوم على الدمج والتمكين، وليس مجرد تقديم الدعم.

فالمشاركة الكاملة في الأنشطة، وإتاحة الفرص للتدريب والتأهيل، والتأكيد على حقهم في المساهمة في العمل المجتمعي، عكست رؤية تعتبر أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إذا استبعدت أي فئة من المجتمع، وأن بناء مجتمع أكثر عدالة يبدأ بإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة والإبداع.

ومن السمات اللافتة في تجربة مجلس الشباب المصري أنه لم ينتظر القضايا حتى تتفاقم، بل سعى إلى الاقتراب منها مبكرًا، سواء من خلال تنظيم جلسات الحوار، أو إعداد الدراسات، أو إطلاق المبادرات، أو المشاركة في مناقشة القضايا الوطنية والمجتمعية. وهو ما منح المجلس حضورًا يتجاوز تنفيذ الأنشطة، إلى الإسهام في إنتاج الأفكار وطرح الرؤى، والمشاركة في النقاش العام حول القضايا التي تشغل المجتمع.

كما نجح المجلس في بناء شبكة واسعة من الشراكات مع مؤسسات الدولة، والجامعات، والقطاع الخاص، وعدد من المؤسسات الوطنية، إدراكًا منه أن التنمية مسؤولية مشتركة، وأن نجاح أي مبادرة يرتبط بقدرة جميع الأطراف على العمل في إطار من التكامل والتنسيق، وليس التنافس.

ومن يتابع هذه التجربة يكتشف أن هذا الحضور لم يكن نتاج اجتهادات فردية أو تحركات عشوائية، وإنما جاء نتيجة رؤية مؤسسية واضحة، لعبت فيها القيادة دورًا محوريًا في رسم الاتجاهات العامة، مع ترك مساحة واسعة لفرق العمل للإبداع والمبادرة.

وفي هذا السياق، برز الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس الأمناء، بوصفه صاحب رؤية آمنت منذ البداية بأن المجتمع المدني لا يجب أن يظل حبيس القاعات المغلقة أو الفعاليات الموسمية، وإنما ينبغي أن يكون موجودًا حيث توجد القضايا الحقيقية. ومن هنا جاءت فلسفته في إدارة المجلس قائمة على النزول إلى الميدان، والاستماع قبل اتخاذ القرار، ودراسة الملفات قبل إعلان المواقف، والإيمان بأن المعلومة الدقيقة هي الأساس الذي تُبنى عليه المبادرات الناجحة.

ولم تقتصر هذه الرؤية على الجانب الفكري، بل انعكست على أسلوب الإدارة ذاته، فبدلًا من الاعتماد على المركزية، اتجه الدكتور محمد ممدوح إلى بناء فرق عمل متخصصة، ومنح الشباب مساحات حقيقية للمسؤولية، وتشجيع التنوع في اختيار الكوادر، بما أوجد حالة من التكامل بين الخبرات المختلفة، ورسخ ثقافة العمل الجماعي داخل المجلس، حتى أصبح النجاح يُنسب إلى المؤسسة، لا إلى الأفراد.

كما اتسمت إدارة المجلس بسرعة التفاعل مع المتغيرات، ومتابعة القضايا المجتمعية بصورة مستمرة، وفتح قنوات للحوار مع مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، وهو ما جعل المجلس أكثر قدرة على التقاط احتياجات المجتمع، وتحويلها إلى برامج ومبادرات قابلة للتنفيذ.

ويعكس ذلك إيمانًا راسخًا لدى الدكتور محمد ممدوح بأن دور المجتمع المدني لا يقتصر على تنفيذ المبادرات، بل يمتد إلى صناعة الوعي، والمشاركة في صياغة الحلول، وإعداد أجيال تمتلك القدرة على التفكير والمبادرة وتحمل المسؤولية.

ومن أبرز ما يحسب لهذه التجربة أنها لم تجعل من الإعلام غاية، بل وسيلة لنقل أثر العمل على الأرض، فالمبادرات الميدانية، واللقاءات مع الشباب، وبرامج التدريب، والمشاركة في مناقشة القضايا العامة، جاءت جميعها انعكاسًا لفلسفة تعتبر أن الثقة تُكتسب من الإنجاز، وأن مصداقية أي مؤسسة مجتمع مدني تقاس بما تضيفه للمواطن، لا بعدد ما تنشره عن نفسها.

وربما لهذا السبب استطاع مجلس الشباب المصري أن يفرض حضوره في المشهد المجتمعي، وأن يصبح أحد النماذج التي تستحق الدراسة، ليس باعتباره تجربة مكتملة، فكل تجربة قابلة للتقييم والتطوير، وإنما لأنه قدم نموذجًا مختلفًا في إدارة العمل الأهلي، يقوم على الجمع بين الفكر والممارسة، وبين التخطيط والتنفيذ، وبين الطموح والقدرة على الإنجاز.

 

وفي النهاية، لا تقدم هذه القراءة شهادة تقدير لمؤسسة بعينها، بقدر ما تحاول الإجابة عن سؤال يفرض نفسه على واقع المجتمع المدني في مصر: كيف يمكن لمؤسسة أهلية أن تتحول إلى شريك حقيقي في التنمية؟ وتكشف تجربة مجلس الشباب المصري أن الإجابة تبدأ من رؤية واضحة، وإدارة تؤمن بالعمل الجماعي، وحضور ميداني مستمر، واستثمار حقيقي في الإنسان، مع إيمان بأن الشباب، والمرأة، والأشخاص ذوي الإعاقة، ليسوا فئات تتلقى الدعم، وإنما شركاء في صناعة المستقبل.

وفي ضوء هذه المعادلة، تبدو تجربة المجلس واحدة من التجارب التي تستحق القراءة والتأمل، لما تقدمه من نموذج يسعى إلى تحويل المجتمع المدني من إطار تنظيمي إلى قوة مجتمعية فاعلة تساند الدولة، وتقترب من الناس، وتؤمن بأن بناء الإنسان هو الطريق الأكثر رسوخًا لبناء الأوطان.

 

زر الذهاب إلى الأعلى