أهم الأخبارالاقتصادالدولة

من قرار التصفية إلى شراكة فاو الصينية.. كيف استعادت «النصر للسيارات» دورها في قيادة حلم الصناعة المصرية؟

 

كتبت _ نجوى ابراهيم 

بعد سنوات من التوقف والتعثر، تعود شركة النصر لصناعة السيارات إلى المشهد الصناعي من أوسع أبوابه، مدفوعة برؤية الدولة المصرية لإحياء الصناعة الوطنية وتعميق التصنيع المحلي، وذلك عقب توقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية مع مجموعة “فاو كار” الصينية، في خطوة تمثل نقطة تحول فارقة في تاريخ أقدم شركة سيارات مصرية.

وشهد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اليوم، توقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية بين شركة النصر لصناعة السيارات ومجموعة “فاو كار” الصينية، بهدف تصنيع مجموعة من السيارات تحت العلامة التجارية “فاو” داخل مصر، بما يسهم في نقل التكنولوجيا الحديثة وتوطين صناعة السيارات وتعزيز القدرة الإنتاجية للشركة.

وتستهدف الاتفاقية إنتاج سيارات ركوب بمواصفات عالمية داخل مصانع النصر للسيارات، مع زيادة نسب المكون المحلي تدريجيًا، والاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات التصنيع والإدارة، بما يدعم استراتيجية الدولة للتحول إلى مركز إقليمي لصناعة السيارات في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ومن المتوقع أن تسهم هذه الشراكة في توفير فرص عمل جديدة، وخفض فاتورة الاستيراد، وزيادة القيمة المضافة للصناعة المحلية، فضلًا عن فتح آفاق جديدة للتصدير إلى الأسواق الإقليمية، بما يعزز مكانة المنتج المصري ويرفع تنافسيته.

وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود الدولة المصرية لإحياء القلاع الصناعية التاريخية التي تعرضت للتراجع خلال عقود سابقة، حيث أولت القيادة السياسية اهتمامًا كبيرًا بإعادة تشغيل الشركات الوطنية وتطويرها، وفي مقدمتها شركة النصر للسيارات التي تمثل رمزًا للصناعة المصرية.

رحلة بدأت قبل أكثر من ستة عقود

تأسست شركة النصر لصناعة السيارات عام 1960 كأول شركة مصرية متخصصة في صناعة السيارات، في إطار المشروع القومي للتصنيع الذي تبنته الدولة آنذاك، لتصبح أحد أبرز رموز الصناعة الوطنية وأحد أهم أذرع الاقتصاد المصري.

وعلى مدار عقود، نجحت الشركة في إنتاج وتجميع العديد من الطرازات التي ارتبطت بالشارع المصري، وأسهمت في نقل الخبرات الصناعية وتوفير آلاف فرص العمل، كما لعبت دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز القدرات التصنيعية المحلية.

لكن الشركة واجهت تحديات متراكمة على مدار السنوات، تمثلت في تقادم خطوط الإنتاج، واشتداد المنافسة العالمية، وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب تراجع الاستثمارات، الأمر الذي انعكس على أدائها المالي والإنتاجي.

من التوقف إلى قرار التصفية

ومع تصاعد الخسائر، توقفت الشركة عن الإنتاج تدريجيًا، حتى صدر قرار بتصفيتها في عام 2009، لتنتهي مرحلة مهمة من تاريخ الصناعة المصرية، ويُسدل الستار مؤقتًا على واحدة من أبرز العلامات الصناعية في البلاد.

غير أن اسم “النصر” ظل حاضرًا في الذاكرة الوطنية باعتباره أحد رموز التصنيع المصري، ما دفع الدولة لاحقًا إلى إعادة النظر في مستقبل الشركة ضمن خطة أشمل لإحياء الشركات التاريخية وإعادة تشغيل الأصول الصناعية المعطلة.

الدولة تعيد إحياء الحلم

ومع إطلاق الجمهورية الجديدة، شهد قطاع الأعمال العام برنامجًا واسعًا للتطوير وإعادة الهيكلة، استهدف تحديث المصانع ورفع كفاءة الأصول وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص والمستثمرين العالميين.

وفي هذا السياق، عادت شركة النصر للسيارات إلى دائرة الاهتمام، حيث جرى تطوير بنيتها التحتية وتأهيل مصانعها وإعداد كوادرها البشرية لاستقبال مرحلة جديدة من الإنتاج تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والمعايير العالمية.

كما سعت الدولة إلى جذب شركاء دوليين لإعادة تشغيل الشركة، وشهدت السنوات الماضية مفاوضات ومشروعات لإنتاج السيارات الكهربائية، ورغم أن بعضها لم يكتمل لأسباب مختلفة، فإن الإرادة لم تتوقف، واستمرت الجهود حتى أثمرت عن الشراكة الجديدة مع مجموعة “فاو” الصينية.

شراكة تفتح أبواب المستقبل

تمثل الشراكة مع “فاو كار” الصينية أكثر من مجرد اتفاق صناعي؛ فهي تعكس تحولًا استراتيجيًا في مسار صناعة السيارات المصرية، يقوم على نقل التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي وتعزيز سلاسل القيمة الصناعية.

كما تحمل هذه الخطوة رسالة واضحة بأن الدولة المصرية ماضية في إعادة بناء قواعد الصناعة الوطنية، وإحياء الشركات التاريخية، وتوطين الصناعات الاستراتيجية باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية المستدامة.

وبين قرار التصفية قبل سنوات، وتوقيع شراكة استراتيجية اليوم، تكتب شركة النصر للسيارات فصلًا جديدًا من تاريخها الممتد لأكثر من ستة عقود، لتعود إلى خطوط الإنتاج من جديد، حاملة معها حلمًا مصريًا قديمًا يتجدد في ثوب عصري، ويؤكد أن الصناعة الوطنية قادرة على النهوض متى توافرت الإرادة والرؤية والشراكة الفاعلة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى