قراءة في تجربة المؤسسة الاجتماعية العمالية.. كيف أعادت الإدارة الإحترافية التوازن بين الخدمة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية؟

قراءة وتحليل : نجوى ابراهيم
فى تاريخ الحركة النقابية المصرية، لم يكن الدفاع عن حقوق العمال يقتصر يومًا على تحسين الأجور أو المطالبة ببيئة عمل أفضل، وإنما ارتبط منذ وقت مبكر بفكرة أشمل، مؤداها أن العامل لا ينفصل عن أسرته، وأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق داخل أسوار المصنع وحدها، بل تمتد إلى حياته اليومية، وتعليمه، وصحته، وثقافته، وحق أبنائه فى ممارسة الرياضة والعيش داخل بيئة اجتماعية آمنة.
ومن هذه الفلسفة ولدت المؤسسة الاجتماعية العمالية، كإحدى المؤسسات التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، لتكون ترجمة عملية لهذا المفهوم، وتجسد البعد الاجتماعى للحركة النقابية فى صورة خدمات حقيقية تقدم للعامل وأسرته.
ولم يكن اختيار إنشاء المؤسسة فى ذلك الوقت قرارًا عابرًا، وإنما جاء استجابة لإيمان راسخ بأن التنظيم النقابى لا يكتمل دوره بالدفاع عن حقوق العامل داخل موقع العمل فقط، وإنما يمتد ليكون شريكًا فى تحسين جودة حياته، وبناء مجتمع عمالى متماسك يجد فيه العامل وأفراد أسرته متنفسًا للتعليم والثقافة والرياضة والترفيه، فى وقت كانت فيه هذه الخدمات تمثل تحديًا لكثير من الأسر.

وعلى امتداد سنوات طويلة، ظلت المؤسسة تؤدى هذا الدور، وإن تفاوتت قدرتها على التطور وفقًا للظروف الاقتصادية والمتغيرات التى شهدها المجتمع. فالمؤسسات، مهما كان تاريخها، لا تعيش على رصيدها وحده، بل تحتاج إلى مراجعة مستمرة، وإلى إدارة تمتلك القدرة على قراءة الواقع، والتعامل مع تحدياته، وإعادة صياغة أدواتها دون أن تتخلى عن رسالتها الأصلية.
ومع تسارع المتغيرات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتغير احتياجات الأسر المصرية، برزت معادلة لم تعد تحتمل التأجيل؛ كيف يمكن لمؤسسة اجتماعية أن تواصل أداء رسالتها، وفى الوقت نفسه تمتلك الموارد الكافية لاستمرارها وتطوير خدماتها؟ كان هذا هو السؤال الحقيقى الذى واجه المؤسسة الاجتماعية العمالية، وهو أيضًا السؤال الذى منح هذه التجربة خصوصيتها، وجعلها تستحق أن تُقرأ باعتبارها تجربة فى الإدارة، أكثر من كونها تجربة فى التطوير.

حين تولى عبد المنعم الجمل رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، رئاسة مجلس إدارة المؤسسة فى عام 2021، لم يبدأ الحديث عن إنشاء ملاعب أو تطوير منشآت، بل بدأ بإعادة ترتيب الأولويات.
كانت القناعة الأساسية لديه أن أى تطوير يفقد ارتباطه بالرسالة الاجتماعية للمؤسسة، يتحول إلى مجرد أعمال إنشائية، أما التطوير الذى ينطلق من احتياجات العامل وأسرته، فهو القادر وحده على صناعة الفارق.

ومن هنا بدأت رحلة مختلفة، لم يكن عنوانها إضافة مبانٍ جديدة، وإنما إعادة بناء فلسفة الإدارة. لم تعد المؤسسة تنظر إلى مواردها باعتبارها وسيلة للإنفاق، وإنما باعتبارها أصولًا يمكن حسن استثمارها لتصبح مصدرًا دائمًا لتمويل الخدمة الاجتماعية، دون أن تتحول المؤسسة إلى مشروع تجارى أو تفقد هويتها التى أنشئت من أجلها.
ولذلك، لم يكن من قبيل المصادفة أن تتجه خطة التطوير إلى المشروعات القادرة على خدمة المجتمع العمالي، وفى الوقت نفسه دعم موارد المؤسسة.

فجاء التوسع فى إنشاء وتطوير الملاعب الرياضية، لتشهد المؤسسة ملاعب حديثة لكرة القدم الخماسية، وملاعب للبادل، إلى جانب تطوير حمامات السباحة، وتحديث مناطق الأنشطة الرياضية، واستقطاب الأكاديميات المتخصصة، بما جعلها مقصدًا للأطفال والشباب، ولم يقتصر أثرها على أبناء العاملين فقط، بل امتد ليجذب شرائح جديدة، فتوسعت قاعدة الرواد، وارتفعت معدلات الإقبال، وأصبحت هذه المنشآت تمثل موردًا اقتصاديًا مستدامًا يعاد توجيهه إلى تطوير خدمات المؤسسة.

ولأن الهدف لم يكن إنشاء منشآت صامتة، فقد ارتبطت هذه الملاعب ببرامج تدريب وأنشطة رياضية، وبيئة تسمح للأطفال والشباب بممارسة الرياضة فى مكان آمن، بينما يجد أولياء الأمور مساحات مناسبة للانتظار والتواصل، وهو ما منح المؤسسة روحًا مختلفة، وحولها إلى مساحة للحياة اليومية، وليس مجرد مكان تؤدى فيه خدمة محددة ثم يغادر روادها.

غير أن المتابع للتجربة يكتشف سريعًا أن التطوير لم يتوقف عند الرياضة، فالإدارة تعاملت مع الأسرة باعتبارها محور المشروع كله.
ولذلك حظيت المدرسة والحضانة باهتمام واضح، باعتبارهما جزءًا أصيلًا من رسالة المؤسسة، كما جرى تطوير المساحات المخصصة لاستقبال الأسر، والاهتمام بالأنشطة الثقافية والاجتماعية، وتنظيم الاحتفالات بالمناسبات الوطنية والدينية، بما أعاد للمؤسسة دورها التقليدى كبيت يجمع العمال وأسرهم، لا كمجرد منشأة تقدم خدمة.

وربما تبدو هذه التفاصيل للبعض بسيطة، لكنها فى الحقيقة تعكس تحولًا مهمًا فى فلسفة الإدارة، فالمؤسسة لم تعد تقيس نجاحها بعدد المشروعات التى نفذتها، وإنما بقدرتها على استعادة الإنسان إلى قلب المشهد.
فالأسرة التى تقضى ساعات داخل المؤسسة، والطفل الذى يمارس الرياضة، وولى الأمر الذى يجد بيئة مناسبة وآمنة، كلها مؤشرات على أن الرسالة الاجتماعية استعادت حضورها، وأن المؤسسة أصبحت تؤدى الدور الذى أنشئت من أجله.

ومع اتساع دائرة الخدمات، بدأت نتائج أخرى فى الظهور، ربما لم تكن الأكثر لفتًا للانتباه، لكنها كانت الأكثر تأثيرًا، فقد تحسن الموقف المالى للمؤسسة بصورة ملحوظة، ليس نتيجة رفع تكلفة الخدمات، وإنما نتيجة تنويع مصادر الدخل، وحسن استثمار الأصول، وإعادة تدوير العائد فى مشروعات جديدة، لتدخل المؤسسة فى دائرة الاستدامة، وتصبح أكثر قدرة على تمويل خططها المستقبلية.

وهنا تحديدًا تتجلى خصوصية التجربة، فما تحقق لم يكن انتقالًا من العمل الاجتماعى إلى الاستثمار، وإنما انتقالًا من إدارة تستهلك الموارد إلى إدارة تصنع الموارد لخدمة المجتمع، وهو فارق جوهرى، لأن الاستثمار لم يصبح هدفًا فى ذاته، بل وسيلة لضمان استمرار الرسالة الاجتماعية، وحمايتها من تقلبات الظروف الاقتصادية.

ولم تكن هذه الرحلة خالية من التحديات، فكل مشروع يراهن على التغيير يواجه بطبيعته قدرًا من الشك، وربما الاعتراض، خاصة عندما يخرج عن النمط التقليدى فى الإدارة.
لكن ما حدث داخل المؤسسة الاجتماعية العمالية أثبت أن أفضل وسيلة للرد على التشكيك ليست البيانات ولا التصريحات، وإنما النتائج التى يراها الجميع على أرض الواقع، فالمنشآت التى امتلأت بالرواد، والأنشطة التى اتسعت، والخدمات التى تنوعت، والموارد التى نمت، كلها أصبحت شواهد عملية على نجاح الفكرة.

ومن خلال هذه الوقائع، يبرز دور عبد المنعم الجمل ، لا باعتباره محور التجربة، وإنما باعتباره قائدًا آمن بأن المؤسسة الاجتماعية لا يمكن أن تظل حبيسة الأساليب التقليدية، وأن الحفاظ على رسالتها يقتضى امتلاك أدوات جديدة للإدارة والتخطيط والاستثمار.
وقد انعكس هذا الفكر فى المتابعة المستمرة، والعمل بروح الفريق، والاستعانة بالخبرات، والحرص على أن يتحول كل مشروع جديد إلى قيمة مضافة للمؤسسة والعامل فى آن واحد.

ولعل ما يمنح هذه التجربة أهميتها أنها لا تقدم وصفة جاهزة يمكن نقلها حرفيًا إلى مؤسسات أخرى، لكنها تقدم مبدأ يمكن البناء عليه، وهو أن النجاح لا يتحقق بوفرة الإمكانات وحدها، وإنما بحسن إدارتها، وأن المؤسسة التى تعرف لماذا أُنشئت، وتتمسك برسالتها، تستطيع أن تجد الوسائل المناسبة لاستمرارها مهما تغيرت الظروف.

ومن هنا، لا تبدو تجربة المؤسسة الاجتماعية العمالية مجرد قصة تطوير لملاعب أو منشآت، ولا مجرد نجاح فى تنمية الموارد، وإنما تجربة فى إعادة تعريف وظيفة المؤسسة الاجتماعية داخل التنظيم النقابى.

فالمؤسسة التى أُنشئت قبل عقود لتكون بيتًا للعامل وأسرته، استطاعت أن تستعيد هذا الدور بروح جديدة، تجمع بين الخدمة الاجتماعية والإدارة الاقتصادية الرشيدة، وتثبت أن الاستثمار الحقيقى لا يبدأ من المبانى، وإنما يبدأ من الإيمان بالإنسان، وأن المؤسسة التى تنجح فى خدمة الإنسان، تنجح فى حماية مستقبلها أيضًا.

ولهذا، فإن هذه التجربة لا تستحق الاحتفاء فقط بقدر ما تستحق الدراسة، لأنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر يتجاوز حدود المؤسسة نفسها: كيف يمكن لمؤسسات المجتمع المدنى والتنظيمات النقابية أن تطور أدواتها، وتحافظ فى الوقت نفسه على رسالتها؟ وربما تكون الإجابة الأقرب هى ما قدمته المؤسسة الاجتماعية العمالية على أرض الواقع؛ أن الإدارة الواعية لا تختار بين الرسالة والاستدامة، وإنما تجعل الثانية ضمانة حقيقية لاستمرار الأولى.








