كيف تعيد “التبعية الخوارزمية” تشكيل علاقة العمل؟ قراءة في دراسة قانونية للدكتور ياسر صقر

كتبت _ نجوى إبراهيم
في زمن تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتتغير معه أنماط التشغيل بصورة غير مسبوقة، لم يعد تطوير تشريعات العمل ترفًا قانونيًا، بل أصبح ضرورة تفرضها تحولات الواقع.
وفي هذا السياق، تأتي الدراسة التي أعدها الدكتور ياسر محمد صقر، الباحث في القانون الدولي العام، لتقدم اجتهادًا علميًا لافتًا يطرح رؤية جديدة لإعادة قراءة علاقة العمل في ظل اقتصاد المنصات الرقمية، من خلال مفهوم مبتكر أطلق عليه “التبعية الخوارزمية”.
ولا تكمن أهمية الدراسة في تناولها أحد أكثر موضوعات قانون العمل حداثة فحسب، بل في أنها تتجاوز العرض التقليدي للإشكالية، لتقدم تأصيلًا قانونيًا متكاملًا يستند إلى الفقه المقارن، وأحدث الأحكام القضائية، والتطورات التشريعية الدولية، وتقارير منظمة العمل الدولية، وصولًا إلى تصور متماسك يعيد النظر في الأساس الذي تقوم عليه علاقة العمل في العصر الرقمي.
لقد بذل الباحث جهدًا علميًا واضحًا في تتبع تطور اقتصاد المنصات، ورصد التحولات التي أحدثها في مفاهيم قانون العمل، مستندًا إلى قراءة تحليلية للتجارب المقارنة، ومناقشة دقيقة للاتجاهات الحديثة في الفقه والقضاء، وهو ما منح الدراسة قيمة علمية تتجاوز حدود الوصف، لتصبح مساهمة حقيقية في تطوير الفكر القانوني العربي في هذا المجال.
وتنطلق الدراسة من ملاحظة جوهرية، وهي أن صورة علاقة العمل التي استقرت عليها قوانين العمل لعقود طويلة لم تعد تعكس الواقع الجديد.
فالعامل لم يعد بالضرورة يعمل داخل منشأة، أو يتلقى أوامره من مدير مباشر، أو يخضع لرقابة بشرية تقليدية، بل أصبح يؤدي عمله عبر تطبيقات رقمية تديرها خوارزميات وأنظمة ذكاء اصطناعي تتحكم في تفاصيل العلاقة المهنية.
ففي اقتصاد المنصات، لا تقتصر وظيفة التطبيق على الربط بين مقدم الخدمة والعميل، وإنما يمارس دورًا إداريًا كاملًا؛ إذ يحدد فرص العمل، ويرتب أولويات توزيع الطلبات، ويقيم الأداء بصورة لحظية، ويحدد مستويات المكافآت والحوافز، ويفرض الجزاءات بصورة غير مباشرة، وقد يصل الأمر إلى إنهاء العلاقة المهنية بمجرد إيقاف الحساب الإلكتروني.
ومن هنا، يطرح الدكتور ياسر محمد صقر الفكرة المركزية التي تقوم عليها الدراسة، ومؤداها أن سلطة صاحب العمل لم تختفِ مع التحول الرقمي، وإنما تغيرت وسيلة ممارستها، فالمدير التقليدي حلّت محله الخوارزمية، والرقابة المباشرة استبدلت برقابة رقمية تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي، وهو ما يستوجب الاعتراف بصورة جديدة من صور التبعية القانونية، أطلق عليها الباحث “التبعية الخوارزمية”، باعتبارها معيارًا قانونيًا يعكس حقيقة السيطرة التي تمارسها المنصة على العامل.
ويُعد هذا المفهوم الإضافة العلمية الأبرز التي تقدمها الدراسة، ومحورها الرئيسى في إعادة تفسير علاقة العمل في البيئة الرقمية.
وتوضح الدراسة أن الجدل الذي انشغل لسنوات بتصنيف العامل عبر المنصة بين “عامل تابع” و”متعاقد مستقل” لم يعد كافيًا، لأن المشكلة لم تعد في الوصف الشكلي للعقد، وإنما في حقيقة العلاقة وطبيعة السيطرة التي تمارسها المنصة الرقمية، ولذلك يدعو الباحث إلى توسيع مفهوم التبعية القانونية ليشمل الرقابة الرقمية، والإدارة الخوارزمية، والتحكم في البيانات، والقدرة على التأثير الاقتصادي في العامل، باعتبارها جميعًا صورًا حديثة لسلطة صاحب العمل.
ولم يكتف الباحث بالتأصيل النظري، بل دعم أطروحته باستعراض عدد من أبرز الأحكام القضائية المقارنة، وفي مقدمتها حكم المحكمة العليا البريطانية في قضية Uber v Aslam، إلى جانب أحكام القضاء الفرنسي والبلجيكي، والتطورات التشريعية في الولايات المتحدة، موضحًا كيف اتجهت هذه النظم إلى تجاوز الشكل الظاهري للعقود، والبحث في الواقع العملي للعلاقة، ومدى السيطرة الفعلية التي تمارسها المنصة على العامل، بصرف النظر عن التسمية القانونية التي يوردها العقد.
كما أولت الدراسة اهتمامًا خاصًا بالتطورات داخل منظمة العمل الدولية، التي جعلت العمل اللائق في اقتصاد المنصات أحد أبرز الملفات المطروحة على أجندتها خلال السنوات الأخيرة.
ويبين الباحث كيف تطورت المناقشات الدولية وصولًا إلى اعتماد اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (193) بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، باعتبارها أول معيار دولي ملزم ينظم هذا النمط المستحدث من العمل، بما يفرض على الدول مراجعة تشريعاتها الوطنية وسياساتها العملية لضمان حماية العاملين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مزايا الابتكار والاقتصاد الرقمي.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، في ظل صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، إذ يرى الباحث أن التحدي لم يعد يقتصر على استحداث نصوص قانونية تنظم العمل عبر المنصات، وإنما يمتد إلى إعادة بناء نظرية علاقة العمل ذاتها، بحيث تستوعب التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي، وتضمن استمرار الحماية القانونية والاجتماعية للعاملين في الأنماط الجديدة من التشغيل.
ولا تبدو الدراسة مجرد معالجة لإشكالية قانونية راهنة، بل تمثل مشروعًا فكريًا يدعو إلى مراجعة أحد أهم المفاهيم التي قام عليها قانون العمل الحديث.
فمفهوم “التبعية الخوارزمية” الذي يطرحه الدكتور ياسر محمد صقر لا يقتصر على كونه مصطلحًا جديدًا، وإنما يمثل محاولة جادة لتطوير معيار قانوني قادر على مواكبة التحول من الإدارة البشرية إلى الإدارة الرقمية، ومن الرقابة المباشرة إلى الرقابة القائمة على الخوارزميات والبيانات.
وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة لا تكمن فقط في أهمية موضوعها، وإنما في الجهد البحثي الذي بذله مؤلفها لتقديم رؤية قانونية أصيلة تستند إلى تحليل علمي مقارن، وتفتح بابًا واسعًا للنقاش الفقهي والتشريعي حول مستقبل قانون العمل في عصر الذكاء الاصطناعي، وهي بذلك لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح إطارًا فكريًا جديدًا، قد يسهم في تطوير التشريعات الوطنية وإثراء الأدبيات القانونية العربية في واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مستقبل سوق العمل.
ومع اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية، يبدو السؤال الذي تطرحه الدراسة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: إذا كانت الخوارزمية أصبحت هي التي تدير العمل، وتقيم الأداء، وتحدد مصير العامل، فهل آن الأوان لأن يعترف القانون بأن “التبعية الخوارزمية” هي الصورة الجديدة لعلاقة العمل في الاقتصاد الرقمي؟








