د. محمد حسن يكتب : البطل الخفي الذي يصنع المعني.. كيف تدير السينما عجلة الزمن؟

يُعد الزمن أحد أكثر العناصر تعقيدًا وتأثيرًا في الفن السينمائي، إذ لا يقتصر دوره على تحديد تسلسل الأحداث، بل يمثل بنية جمالية وسردية تسهم في تشكيل المعنى وإعادة صياغة تجربة المشاهدة.
فالسينما، بخلاف الفنون الأخرى، تمتلك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل الزمن، إذ تجعل الماضي حاضرًا، والمستقبل متوقعًا، واللحظة الواحدة قابلة للتمدد أو الاختزال وفقًا لرؤية المخرج وأهداف السرد.
ينقسم الزمن في الخطاب السينمائي إلى مستويات متعددة، لكل منها وظيفة خاصة في بناء الفيلم.
أولها الزمن الواقعي، وهو الزمن الفعلي الذي تستغرقه مشاهدة الفيلم، ويُقاس بالدقائق والساعات.
أما الزمن الدرامي، فهو المدة الزمنية التي تغطيها أحداث القصة، وقد تمتد ليوم واحد أو لسنوات طويلة، رغم أن الفيلم لا يتجاوز ساعتين. ويبرز أيضًا الزمن النفسي، وهو الزمن الذي يشعر به المتلقي أو تعيشه الشخصيات، حيث قد تبدو لحظة قصيرة طويلة بسبب التوتر أو الخوف أو الانتظار، بينما تمر سنوات كاملة في مشهد سريع يعتمد على المونتاج والاختزال البصري.
أما الزمن السردي، فيرتبط بطريقة ترتيب الأحداث داخل الفيلم، فقد تُروى القصة بترتيب زمني مستقيم، أو تبدأ من النهاية ثم تعود إلى البداية، أو تتنقل بين أزمنة متعددة في بنية غير خطية.
وتُعد تقنيات المونتاج الوسيلة الأساسية لإدارة الزمن السينمائي. فمن خلال القطع، والحذف، والربط بين اللقطات، يستطيع المخرج تكثيف الزمن أو إبطاءه، وربط أحداث تفصل بينها سنوات وكأنها وقعت في لحظة واحدة. كما تُستخدم تقنيات الاسترجاع الزمني (Flashback) لاستحضار الماضي، والاستباق الزمني (Flashforward) للإشارة إلى أحداث مستقبلية، وهو ما يثري البناء الدرامي ويمنح الشخصيات عمقًا نفسيًا أكبر.
ولم يعد الزمن في السينما الحديثة مجرد وسيلة لتنظيم الحكاية، بل أصبح موضوعًا فلسفيًا بحد ذاته.
فقد اتجه كثير من المخرجين إلى استكشاف العلاقة بين الزمن والذاكرة والهوية، وإبراز تأثير الماضي في تشكيل الحاضر، أو طرح تساؤلات حول الحتمية والاختيار وإمكانية تغيير المصير.
وفي هذا السياق، لم يعد المشاهد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح شريكًا في إعادة تركيب الأحداث وفهم العلاقات الزمنية التي يبنيها الفيلم.
وتقدم السينما العالمية نماذج بارزة لاستخدام الزمن بوصفه عنصرًا دراميًا وفلسفيًا. فقد اعتمد فيلم Memento على سرد زمني معكوس يعكس الحالة النفسية للبطل، بينما تناول فيلم Inception مفهوم الزمن داخل الأحلام، حيث تختلف سرعة مرور الوقت بين مستويات الحلم المختلفة. أما فيلم Interstellar فقد ربط الزمن بالنظريات الفيزيائية، مقدمًا رؤية تجمع بين العلم والعاطفة، ليجعل الزمن عاملًا حاسمًا في مصير الشخصيات.
وعلى المستوى العربي، تعامل عدد من المخرجين مع الزمن بوصفه أداة للتأمل في التحولات الاجتماعية والإنسانية، فاستُخدمت الذاكرة والحنين والاسترجاع الزمني للكشف عن تغير الشخصيات والمجتمعات، مؤكدين أن الزمن ليس مجرد خلفية للأحداث، بل قوة فاعلة تصوغ التجربة الإنسانية.
يمكن القول إن الزمن في السينما ليس عنصرًا تقنيًا فحسب، بل لغة فنية مستقلة تُبنى بها الرؤية الإخراجية، ويتشكل من خلالها الإيقاع، وتتجسد المشاعر، وتُعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والذاكرة والمستقبل. فكل فيلم ناجح لا يروي قصة عبر الزمن فقط، بل يصنع زمنًا خاصًا به، يعيش فيه المشاهد تجربة لا تشبه الزمن الذي يعرفه في حياته اليومية، وهو ما يجعل السينما فنًا قادرًا على تجاوز حدود الواقع وإعادة اكتشافه من جديد.
د. محمد حسن يكتب : البطل الخفي الذي يصنع المعني.. كيف تدير السينما عجلة الزمن؟







