عبد المنعم الجمل يكتب:العمل دائم.. فلماذا يظل العامل مؤقتا؟

عندما يتحول المقاول من وسيلة لتنفيذ عمل محدد إلى ستار لعلاقة العمل الحقيقية،هذا سؤال أراه يستحق أن نتوقف أمامه بجدية:إذا كان العمل دائما ومستقرا.. فلماذا يظل العامل مؤقتا إلى ما لا نهاية؟
السؤال ليس موجها إلى شركة بعينها، ولا إلى قطاع بعينه، ولا يتعلق بحالة فردية، إنما يتعلق بظاهرة بدأت تتكرر في قطاعات مختلفة من سوق العمل، حيث يعمل العامل لسنوات في المكان نفسه، ويؤدي العمل نفسه، ويلتزم بمواعيد العمل نفسها، ويخضع في عمله اليومي للإدارة والإشراف، بينما تظل علاقته بالعمل معلقة بين المنشأة ومقاول أو وسيط.
المكان لا يتغير، والعمل لا يتغير، وحاجة المنشأة إلى العامل لا تتغير، لكن اسم المقاول قد يتغير.
وهنا لا بد أن نتوقف،الدستور وضع الأساس، الدستور المصري لم ينظر إلى العمل باعتباره مجرد علاقة مالية بين عامل وصاحب عمل.
فالمادة 12 تقرر أن العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة، والمادة 13 تلزم الدولة بالحفاظ على حقوق العمال، وبناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، وتوفير سبل التفاوض الجماعي وحماية العمال من مخاطر العمل وتوفير شروط الأمن والسلامة والصحة المهنية.
إذن حماية العامل ليست منحة، وليست تفضلا من صاحب العمل، وليست مجرد شعار نقابي، إنها التزام دستوري.
ومن هنا فإن أي تطور في سوق العمل يجب أن يقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين احتياجات الاستثمار والإنتاج وبين حقوق العامل واستقراره وكرامته.
قانون العمل الجديد قال كلمته، حيث جاء قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 ليضع إطارا أكثر وضوحا لعلاقات العمل، فالقانون يعرف العامل بأنه كل شخص طبيعي يعمل لقاء أجر لدى صاحب عمل تحت إدارته أو إشرافه، ويعرف صاحب العمل بأنه من يستخدم عاملا أو أكثر لقاء أجر. كما ينظم العلاقة من خلال عقد عمل مكتوب يتضمن البيانات الأساسية المتعلقة بالعمل والأجر وشروطه.
والأكثر أهمية في القضية التي نتحدث عنها أن المادة 45 من قانون العمل تنص صراحة على: «لا يجوز للمنشآت تشغيل عمال عن طريق متعهد أو مقاول توريد عمال».
وهذا النص لا يجوز أن يظل مجرد مادة في القانون، فهو يفرض علينا أن نفرق بوضوح بين المقاولة الحقيقية التي تقوم على تنفيذ عمل أو خدمة محددة ومستقلة، وبين توريد العمالة الذي يتحول فيه المقاول إلى حلقة وسيطة بين العامل والمنشأة.
وهنا تكون العبرة بحقيقة العلاقة وطبيعة العمل، وليس فقط بالمسميات التي تكتب على الأوراق،لسنا ضد المقاولين،من المهم أن يكون الكلام واضحا.
لسنا ضد المقاولات، ولسنا ضد الاستعانة بشركات متخصصة لتنفيذ أعمال أو خدمات تحتاج إليها المنشآت، ولسنا ضد مرونة سوق العمل.
بل إن تطوير الاقتصاد يحتاج إلى مرونة، ويحتاج إلى تعدد أساليب التشغيل، ويحتاج إلى قطاع خاص قادر على المنافسة والإنتاج.
لكن المرونة شيء، وتحويل العامل إلى طرف مؤقت دائما شيء آخر، فالمقاولة الحقيقية لها طبيعة، وتوريد العمالة له طبيعة أخرى.
وإذا كان العامل يعمل في صميم النشاط بصورة مستمرة، وتحت إدارة وإشراف المنشأة، بينما يقتصر دور المقاول عمليا على توفير العامل وصرف أجره، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل عن حقيقة العلاقة.
العامل لا يعيش على المسميات، العامل لا يهمه اسم المقاول بقدر ما يهمه أن يعرف:من صاحب العمل؟من المسؤول عن أجره؟هل أجره يصرف في موعده؟هل هو مؤمن عليه؟من المسؤول عن سلامته؟ ماذا يحدث إذا انتهى عقد المقاول؟وماذا يحدث إذا جاء مقاول آخر؟لا يمكن أن تكون الإجابة دائما:«المقاول هو المسؤول».
ثم نجد أن العامل يؤدي عملا دائما داخل منشأة دائمة، وتحت منظومة عمل لا تتغير، العامل ليس رقما في كشف،وليس سلعة تنتقل من مقاول إلى مقاول.
ولا يجوز أن يصبح تغيير المقاول وسيلة لإعادة تشغيل العامل من نقطة الصفر كل مرة، التأمين والحماية حق وليسا رفاهية
القضية لا تتعلق بالأجر وحده.
فقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 وضع إطارا لشمول العاملين بالقطاع الخاص الخاضعين لقانون العمل، ونص صراحة على شمول عمال المقاولات ضمن الفئات التي لا يشترط بالنسبة لها انتظام علاقة العمل على النحو العام، وفقا للقواعد المنظمة، وهذا يعني أن وجود العامل في منظومة المقاولات لا يجب أن يكون مبررا لغياب الحماية التأمينية.
فالتأمين الاجتماعي ليس ميزة إضافية يحصل عليها العامل إذا أراد صاحب العمل، إنه جزء من منظومة الحماية الاجتماعية التي يجب أن تظل قائمة مع اختلاف صور التشغيل.
حتى العمل غير المنتظم له حماية قانونية، والقضية هنا لا ينبغي أن تنتهي إلى وضع كل عامل يعمل من خلال مقاول في خانة العمالة غير المنتظمة.
فقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 أفرد بابا خاصا للعمالة غير المنتظمة، وجعل من أهدافه توفير فرص العمل اللائقة، وحماية هذه الفئات أثناء العمل، وتقديم الدعم لها أثناء فترات التعطل، كما حدد من الفئات التي تتولى الوزارة متابعة تشغيلها عمال المقاولات وغيرهم.
لكن هذا لا يعني أن وصف «العمالة غير المنتظمة» يمكن أن يصبح غطاء لعلاقة عمل دائمة ومستقرة.
العامل الذي يعمل بصورة مستمرة في وظيفة دائمة داخل منشأة لا ينبغي أن يظل معلقا بين مسميات مختلفة لمجرد أن الأجر يمر عبر مقاول.
وهنا يأتي دور الحركة النقابية
قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017 جعل من أهداف المنظمات النقابية حماية الحقوق المشروعة للعمال، والدفاع عن مصالحهم المشتركة، وتحسين ظروف وشروط العمل.
وبالتالي فإن فتح هذا الملف ليس تدخلا في شأن لا يعني الحركة النقابية بل هو في صميم دورها، لكن الدور النقابي هنا يجب ألا يقتصر على استقبال الشكاوى.
نحن بحاجة إلى رؤية أوسع، المطلوب ليس تثبيت كل عامل،وهنا أقولها بوضوح حتى لا يفسر موقفنا خطأ:نحن لا نقول إن كل عامل يعمل عن طريق مقاول يجب أن يتم تثبيته تلقائيا، ولا نقول إن كل مقاول مخالف، ولا نريد أن نضع أصحاب الأعمال في مواجهة العمال.
ما نريده هو شيء أبسط وأعمق:تطبيق القانون وتحديد علاقة العمل الحقيقية، إذا كانت هناك مقاولة حقيقية، فلتحترم شروطها والتزاماتها.
وإذا كانت هناك علاقة عمل حقيقية، فلتطبق عليها أحكام القانون،وإذا كانت هناك عمالة توريد بالمخالفة للحظر القانوني، فيجب تصحيح الوضع.
من هنا يجب أن يبدأ التحرك، من موقعي النقابي، أرى أن هذه القضية تستحق أن تتحول إلى ملف عام على مستوى سوق العمل المصري، نحتاج إلى حصر العمالة التي تعمل من خلال المقاولين في مختلف القطاعات، نحتاج إلى معرفة عددهم وطبيعة أعمالهم ومدد عملهم، نحتاج إلى فحص العقود، نحتاج إلى معرفة من يدير العمل فعليا، نحتاج إلى التأكد من انتظام الأجور والتأمينات والسلامة والصحة المهنية، ونحتاج إلى التفرقة بين المقاولة الحقيقية وبين مجرد توريد العمالة.
كما أرى ضرورة أن يكون هناك تعاون بين وزارة العمل والمنظمات النقابية ومنظمات أصحاب الأعمال لرصد هذه الظاهرة ووضع آليات واضحة للتعامل معها، بما يتفق مع قانون العمل الجديد وهدفه في تنظيم سوق العمل وتحقيق العمل اللائق.
لا نريد سوق عمل بلا مرونة.. ولا بلا أمان، أؤمن أن سوق العمل المصري يحتاج إلى التطوير، وأؤمن أن الاستثمار يحتاج إلى المرونة،وأؤمن أن أصحاب الأعمال لهم حقوق كما أن العمال لهم حقوق.
لكن التوازن الحقيقي لا يتحقق عندما تكون المرونة على حساب العامل وحده، فلا يمكن أن يكون صاحب العمل مرنا والعامل هو الذي يتحمل كل المخاطر.
ولا يمكن أن يكون العمل دائما والعامل مؤقتا إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن يصبح المقاول ستارا تختفي خلفه علاقة العمل الحقيقية.
رسالتي ليست ضد أحد، رسالتي ليست ضد أصحاب الأعمال، وليست ضد المقاولين، وليست دفاعا عن حالة فردية.
رسالتي من أجل أن يكون لدينا سوق عمل منضبط وعادل، يعرف فيه كل طرف حقوقه والتزامات، نحن نريد اقتصادا قويا وإنتاجا أعلى، واستثمارا أكثر.
لكننا نريد في الوقت نفسه عاملا يشعر أن له ظهرا قانونيا ومؤسسيا، وأن سنوات عمله لا يمكن أن تضيع بمجرد تغيير اسم المقاول، فالعمل الدائم يستحق علاقة عمل واضحة، والمرونة لا تعني غياب الأمان، والمقاول ليس ستارا لعلاقة العمل الحقيقية.
وأخيرا، أعود إلى السؤال الذي بدأت به:إذا كان العمل دائما ومستقرا.. فلماذا يظل العامل مؤقتا؟هذا السؤال لا أطرحه بحثا عن صدام، وإنما بحثا عن إجابة عادلة.
وأعتقد أن الوقت قد حان لأن نفتح حوله حوارا وطنيا جادا، تشارك فيه الدولة وأصحاب الأعمال والعمال والمنظمات النقابية، حتى نضمن أن تكون مرونة سوق العمل أداة للنمو والإنتاج، لا طريقا إلى إهدار الاستقرار والحماية.
بقلم : عبد المنعم الجمل رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر








