طاهر إدريس يكتب: نزيف الأسفلت.. حين تتحول لقمة العيش إلى شهادة وفاة

لا يزال الأسفلت في بلادنا يشرب كل فجر من دماء أبسط خلق الله. ليسوا أرقامًا في بيان مرور، ولا خبرًا عابرًا في صفحة الحوادث. هم عمال اليومية، الذين خرجوا قبل أن يستيقظ المدينة، يحملون فأسًا أو مجرفة، ويعودون في كفن.
من هم شهداء لقمة العيش؟
هو ذلك الرجل الذي يقف على أول الطريق الدائري من الساعة الخامسة صباحًا ينتظر مقاولًا يلتقطه بـ 150 جنيهًا.
هي تلك السيدة التي تركب فوق صندوق سيارة ربع نقل مع عشرين روحًا أخرى ذاهبة لجمع المحصول.
هو الشاب الذي لم يجد وظيفة ثابتة، فصار يعمل عامل بناء، أو عامل ترحيل، أو عامل نظافة.
هؤلاء لا يملكون تأمينًا صحيًا، ولا تأمينًا اجتماعيًا، ولا حتى عقد عمل يحفظ حق أسرهم إذا لم يعودوا. رأس مالهم الوحيد هو صحتهم، والأسفلت لا يرحم.
لماذا يتكرر النزيف كل يوم؟
نزيف الأسفلت ليس قضاءً وقدرًا فقط، هو منظومة أخطاء متراكمة:
وسيلة موت لا نقل: سيارات ربع نقل ونصف نقل وتروسيكلات مكدسة ببشر فوق بعضهم، بلا كراسي ولا أحزمة ولا حد أدنى من الأمان. أي فرملة مفاجئة تتحول إلى مجزرة.
ورغم ما تقوم به الدولة من ضربات امنية وتحقيق الامن والامان ونهضة شاملة في ربوع أرجاء مصر، إلا ان هناك بعض الامور تحتاج الي زيادة تركيز من جانب المحليات من خلال انارة الطرق ،وانشاء مطبات تهدئة عند مناطق تجمع العمال، مع الاهتمام بإشارات،والارصفة المخصصة للمشاه واحكام الرقابة وتغليظ عقوبة السير عكس الاتجاه، وتجاوز السرعة ، وانهاء ازمات السير بدون رخص أو تحت تأثير المخدر.
ان الامر يستوجب اجبار اي مقاول ان يوفر وسيلة نقل ادمية وامنة لنقل عماله بدلا من قيامه بجلب صندوق حديدي وسيارات لاتصلح لنقل المواشي.
ان وراء كل خبر “مصرع 8 عمال وإصابة 12 في انقلاب سيارة” هناك بيت كامل انهار.
هناك أم كانت تنتظر ابنها ليعود بثمن الدواء، وزوجة كانت تجهز إفطارًا لن يأكله أحد، وأطفال سيكبرون وهم يسمعون جملة “أبوكم مات وهو بيجري على أكل عيشه”.
هؤلاء لا يموتون موتة واحدة. يموتون مرتين، مرة تحت عجلات الطريق، ومرة أخرى حين يُقيد الحادث ضد مجهول، وتُنسى أسرهم بلا معاش ولا تعويض.
حتى لا يتكرر الدماء على الأسفلت
إذا كنا جادين في وقف هذا النزيف، فالأمر لا يحتاج معجزات:
1. نقل آدمي إجباري: منع نهائي لاستخدام سيارات النقل المكشوفة في نقل العمال، وتوفير ميني باصات مرخص ومدعوم من المحافظات والمقاولين.
2. حق قانوني: إلزام أي مقاول أو صاحب مزرعة أو مصنع بالتأمين المؤقت على عمال اليومية، حتى لو ليوم واحد. التأمين ليس رفاهية، هو حق الحياة.
3. رقابة حقيقية: كمائن ثابتة على مداخل الطرق الزراعية والصحراوية في ساعات الفجر، وحملات تحليل مخدرات مفاجئة لسائقي النقل.
4. إنارة وصيانة: إنارة الطرق التي تشهد كثافة لحركة العمال، وعمل نقاط تجمع آمنة لهم بعيدًا عن الطريق السريع.
رحم الله شهداء لقمة العيش. كانوا خارجين يطلبون الحلال، فعادوا شهداء عند ربهم. لكن الرحمة وحدها لا تكفي.
كفى أن نقول “حادثة” ونغلق الصفحة. هذا ليس حادثًا، هذا جرح مفتوح في ضميرنا جميعًا. والأسفلت سيظل ينزف، ما لم نقرر نحن أن نوقف النزيف.
طاهر إدريس يكتب: نزيف الأسفلت.. حين تتحول لقمة العيش إلى شهادة وفاة








