أهم الأخبارعمال

رؤية وطنية.. إمكانات الحركة العمالية في معركة المهارة.. اتحاد العمال و«إتقان» يعيدان رسم منظومة التدريب وربطها باحتياجات الاقتصاد

 

كتبت _ نجوى إبراهيم 

لم يعد تطوير منظومة التدريب المهني في مصر قضية مرتبطة فقط بتأهيل عامل لشغل وظيفة، وإنما أصبح جزءًا من قضية أوسع تتصل بقدرة الدولة على بناء الإنسان، والاستثمار في رأس المال البشري، ورفع تنافسية الاقتصاد، وتحقيق التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة خطوة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في توقيع بروتوكول تعاون مع الهيئة المصرية لضمان الجودة والاعتماد في التعليم الفني والتقني والتدريب المهني «إتقان»، باعتبارها تحركًا يتجاوز حدود تطوير عدد من مراكز التدريب إلى محاولة لوضع الإمكانات التي تمتلكها الحركة العمالية في خدمة هدف وطني أكثر اتساعًا.

فالاقتصاد الحديث لا تقاس قدرته على النمو بحجم الاستثمارات والمشروعات فقط، وإنما بقدرته على توفير قوة عمل تمتلك المهارات اللازمة لتشغيل هذه الاستثمارات وتحقيق العائد المتوقع منها.

ولذلك فإن قضية التدريب لم تعد ملفًا خدميًا منفصلًا، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة الإنتاج والتشغيل والتنمية، وأحد المؤشرات الأساسية على قدرة المجتمع على الاستفادة من طاقته البشرية.

وفي هذا السياق، تكتسب خطوة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر برئاسة عبدالمنعم الجمل، أهميتها من كونها تأتي في توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة النظر في العلاقة بين التدريب وسوق العمل، خصوصًا مع التغير المتسارع في طبيعة الوظائف نتيجة التكنولوجيا والتحول الرقمي وتغير أنماط الإنتاج.

فالمهنة التي كانت تحتاج إلى مجموعة محددة من المهارات منذ سنوات قد أصبحت اليوم تحتاج إلى مهارات مختلفة، والعامل الذي لا يستطيع تطوير أدواته المهنية يصبح أكثر عرضة لفقدان قدرته على المنافسة.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم مركز تدريب نملك؟ أو كم برنامجًا يمكن تقديمه؟ وإنما ماذا يستطيع الشاب أو العامل أن يفعل بعد انتهاء التدريب؟ وهل أصبح أكثر قدرة على الحصول على فرصة عمل؟ وهل تتوافق مهاراته مع احتياجات الصناعة والخدمات والمشروعات؟ وهل يستطيع تطوير نفسه مع تغير متطلبات المهنة؟

هذه الأسئلة هي التي تمنح بروتوكول «إتقان» قيمته الفعلية؛ لأنه يضع مفهوم الجودة في قلب عملية التدريب، ويجعل تطوير المؤسسة التدريبية نفسها جزءًا من عملية التطوير، فالجودة ليست مجرد اعتماد يوضع على واجهة مركز تدريب، وإنما منظومة تبدأ من تحديد الاحتياجات، وتصميم البرامج، وتأهيل المدربين، وتوفير التجهيزات، وقياس النتائج، ثم مراجعة الأداء بصورة مستمرة.

وإذا كان هذا هو المدخل الفني للخطوة، فإن بعدها الوطني يبدو أكثر اتساعًا، فالدولة التي تستثمر في الشباب لا يمكن أن تكتفي بإتاحة فرص التعليم أو التدريب، وإنما تحتاج إلى منظومة تجعل هذه الفرص قابلة للتحول إلى عمل وإنتاج واستقلال اقتصادي، وكل شاب يمتلك مهارة مطلوبة في سوق العمل يمثل إضافة إلى قوة الاقتصاد، وكل برنامج تدريب لا يرتبط باحتياج حقيقي يمثل فرصة مهدرة ينبغي إعادة النظر فيها.

وهنا تبرز أهمية استجابة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر للتوجه الوطني الذي يضع الشباب وبناء قدراتهم في مقدمة أولويات التنمية،فالحديث عن تمكين الشباب لا ينبغي أن يتوقف عند المشاركة أو التأهيل النظري، وإنما يجب أن يمتد إلى امتلاك الأدوات التي تمكنهم من الدخول إلى سوق العمل والاستمرار فيه والتطور داخله، والتدريب المهني، عندما يكون عالي الجودة ومرتبطًا باحتياجات الإنتاج، يصبح إحدى أهم أدوات هذا التمكين.

والاتحاد العام لنقابات عمال مصر يمتلك في هذا المجال ما يجعله قادرًا على لعب دور يتجاوز حدود الموقف النقابي التقليدي، فالمؤسسة الثقافية العمالية تضم 6 معاهد متخصصة و66 مركزًا للثقافة العمالية، والجامعة العمالية تضم 11 فرعًا، إلى جانب 27 اتحادًا محليًا على مستوى الجمهورية، و27 نقابة عامة، وما يرتبط بها من مراكز وإمكانات تدريبية، فضلًا عن المؤسسة الاجتماعية العمالية وقرية الأحلام.

هذه الإمكانات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أرقام أو مؤسسات منفصلة، وإنما باعتبارها بنية تحتية مؤسسية يمكن أن تتحول، إذا جرى تطويرها وإدارتها وفق رؤية موحدة، إلى منصة واسعة للتدريب والتأهيل ونشر ثقافة العمل والمهارات المهنية.

وتكتسب هذه الخطوة دلالة إضافية في ضوء النهج الذي يتبناه عبد المنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، في إدارة ملفات الاتحاد، والقائم على توسيع دوائر التشبيك والشراكة مع المؤسسات الوطنية وأطراف سوق العمل، بدلًا من التعامل مع القضايا العمالية باعتبارها ملفات منفصلة أو مسؤوليات تقع على طرف واحد.

ويبدو هذا النهج أكثر وضوحًا في ملف التدريب تحديدًا؛ فالجمل يتعامل مع تطوير مهارات العمال والشباب باعتبارها قضية تتطلب جمع أكثر من خبرة ومؤسسة حول هدف واحد، فالاتحاد يمتلك القاعدة العمالية والخبرة المتراكمة وامتدادًا جغرافيًا واسعًا، بينما تمتلك الجهات المتخصصة في الجودة والاعتماد أدوات التقييم والمعايير، ويمتلك أصحاب الأعمال معرفة مباشرة باحتياجات مواقع الإنتاج والمهارات المطلوبة، فيما تظل مؤسسات الدولة صاحبة الدور الأوسع في وضع السياسات وتحقيق التكامل بين هذه الأطراف.

ومن هنا فإن فلسفة التشبيك التي يتبناها الجمل لا تبدو مجرد توجه إداري، وإنما محاولة لإعادة تعريف مساحة الدور الذي يمكن أن يؤديه الاتحاد داخل منظومة العمل الوطنية.

فالاتحاد، وفق هذا التصور، لا يكتفي بأن يكون ممثلًا لمصالح العمال، وإنما يسعى إلى أن يكون طرفًا فاعلًا في القضايا التي تشكل مستقبل العمل نفسه؛ من التدريب والتأهيل إلى التشغيل، ومن تطوير المهارات إلى مواكبة احتياجات القطاعات الإنتاجية.

ولعل أهمية هذا التوجه أنه يضع المصلحة المشتركة بين أطراف سوق العمل في نقطة الالتقاء: العامل يريد مهارة تحافظ على قدرته على العمل والتطور، وصاحب العمل يحتاج إلى عامل مؤهل، والدولة تستهدف زيادة التشغيل والإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد، والاتحاد معني بحماية العامل ورفع قدراته وتحسين شروط وجوده في سوق العمل. وعندما تلتقي هذه المصالح داخل شراكات مؤسسية واضحة، تصبح فرص الوصول إلى نتائج أكثر استدامة أكبر بكثير من العمل المنفرد.

ومن هنا تأتي أهمية الشراكة مع «إتقان»، فهي تفتح الباب أمام الانتقال من التعامل مع كل مركز أو مؤسسة بصورة منفردة إلى بناء تصور أكثر تكاملًا يقوم على معايير للجودة والاعتماد، وتقييم واقعي للإمكانات، وتحديد الفجوات، ثم العمل على تطويرها.

وفي هذا الإطار يمكن فهم بروتوكول «إتقان» باعتباره نموذجًا عمليًا لفكرة أوسع لدى عبدالمنعم الجمل، تقوم على أن إمكانات الاتحاد لا ينبغي أن تعمل بمعزل عن إمكانات المؤسسات الوطنية الأخرى، فالمعاهد ومراكز التدريب التابعة للاتحاد يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا عندما ترتبط بمعايير الجودة، وتتواصل مع احتياجات الصناعة، وتستفيد من خبرات مؤسسات الدولة، وتفتح المجال أمام أصحاب الأعمال للمشاركة في تحديد المهارات المطلوبة.

وهذا يفسر كذلك أهمية اتجاه الاتحاد إلى توسيع شراكاته مع أطراف سوق العمل، ومنها التوجه نحو التعاون مع اتحاد الصناعات المصرية؛ إذ إن ربط التدريب بمؤسسات الإنتاج يمكن أن ينقل المنظومة من مرحلة «التدريب من أجل التدريب» إلى التدريب من أجل فرصة عمل ومهارة وإنتاج.

وهذا النوع من التشبيك يعكس أيضًا تحولًا في مفهوم الدور النقابي نفسه؛ فالنقابة الحديثة لا تكتفي بالدفاع عن الحقوق بعد دخول العامل إلى سوق العمل، وإنما يمكنها أن تشارك في تأهيله قبل دخوله، وفي تطوير مهاراته أثناء عمله، وفي الدفاع عن حقه في الحصول على تدريب مستمر يتناسب مع تطورات مهنته.

كما أن وجود الاتحاد داخل هذه المنظومة يمنحه قدرة على نقل احتياجات العمال الحقيقية إلى طاولة النقاش حول التدريب، بدلًا من أن تظل البرامج مصممة من منظور إداري أو تعليمي فقط، فالعامل هو الطرف الذي يعيش التحول داخل موقع العمل، ويعرف بصورة مباشرة المهارات التي أصبحت مطلوبة والتحديات التي تواجهه.

وفي المقابل، فإن الشراكة مع «إتقان» يمكن أن تمنح مؤسسات الاتحاد معيارًا موضوعيًا لتقييم ما لديها وتحديد ما تحتاج إليه، وهنا تصبح معايير الجودة أداة لإعادة ترتيب الأولويات، لا مجرد هدف في حد ذاته، لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستتحدد في مرحلة ما بعد التوقيع، فالبروتوكولات لا تصنع تغييرًا بمجرد توقيعها، وإنما بما يتحول منها إلى إجراءات وبرامج ومؤشرات قابلة للقياس.

وإذا نجح الطرفان في وضع خريطة واضحة للمراكز والمعاهد، وتحديد مستوياتها الحالية، وتطوير البرامج، وتأهيل المدربين، وربط التخصصات باحتياجات القطاعات الإنتاجية، ثم قياس نسب التشغيل ومتابعة الخريجين، فإن المردود يمكن أن يتجاوز بكثير حدود المؤسسات الموقعة.

عندها يمكن أن تتحول مراكز التدريب التابعة للاتحاد من مجرد أماكن تقدم دورات إلى مراكز لإنتاج المهارة، وأن تتحول الشراكات من بروتوكولات ورقية إلى أدوات فعلية لربط الإنسان بالاقتصاد.

وهنا تحديدًا تتقاطع الخطوة النقابية مع الرؤية الوطنية للتنمية؛ فالدولة التي تنشئ مشروعات وتوسع قاعدة الاستثمار تحتاج إلى عامل مؤهل، والدولة التي تستهدف خفض البطالة تحتاج إلى تدريب يقود إلى التشغيل، والدولة التي تريد زيادة الإنتاجية تحتاج إلى عامل قادر على التعامل مع التكنولوجيا، والدولة التي تستثمر في شبابها تحتاج إلى مؤسسات تستطيع تحويل هذا الاستثمار إلى فرص حقيقية.

ومن ثم فإن تطوير التدريب ليس ملفًا نقابيًا فقط، ولا ملفًا تعليميًا فقط، ولا مسؤولية جهة واحدة؛ إنه جزء من منظومة الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، لأن الفجوة بين مهارات الشباب واحتياجات سوق العمل يمكن أن تتحول إلى أحد أكبر معوقات التنمية إذا لم تتم معالجتها بصورة مؤسسية.

وفي هذا الإطار، فإن تحرك الاتحاد العام لنقابات عمال مصر مع «إتقان» يمكن النظر إليه باعتباره محاولة لفتح مسار جديد لتوظيف ما يمتلكه من إمكانات في قضية وطنية تتجاوز حدود التنظيم النقابي، فالمعيار النهائي ليس عدد المراكز التي سيتم تطويرها، وإنما عدد الشباب والعمال الذين سيخرجون منها بمهارة حقيقية، وعدد فرص العمل التي يمكن أن تسهم هذه المهارات في الوصول إليها، ومدى انعكاس ذلك على الإنتاج وقدرة العامل المصري على المنافسة.

كما أن نجاح هذه التجربة يمكن أن يخلق نموذجًا قابلًا للتوسع، بحيث تصبح مؤسسات الاتحاد جزءًا من شبكة وطنية أوسع للتدريب، تتفاعل مع احتياجات المحافظات والقطاعات الإنتاجية، وتستفيد من خبرات الدولة والقطاع الخاص والجهات المتخصصة، بدلًا من العمل في جزر منفصلة.

وبذلك يصبح البروتوكول بداية وليس نهاية؛ بداية لمسار يمكن أن يعيد تعريف وظيفة مؤسسات التدريب التابعة للاتحاد، ويمنحها دورًا أكثر حضورًا في منظومة التنمية، ويجعل من الشراكة والتشبيك مع الدولة وأصحاب الأعمال والمؤسسات المتخصصة وسيلة لبناء منظومة تدريب أكثر واقعية ومرونة.

وفي النهاية، فإن أهم ما في هذه الخطوة أنها تضع الاتحاد، بقيادة عبد المنعم الجمل، أمام مسؤولية أكبر من مجرد توقيع اتفاق جديد: مسؤولية تحويل الإمكانات الموجودة بالفعل إلى نتائج يمكن قياسها على أرض الواقع، فإذا أحسن تطبيق البروتوكول، وربطت الجودة باحتياجات السوق، وأصبح تأهيل الشباب جزءًا أساسيًا من برامج الاتحاد، واستُثمرت شبكة مؤسساته ومراكزه بالشكل الأمثل، فقد تتحول هذه الشراكة من تطوير مراكز تدريب إلى نموذج في كيفية توظيف المؤسسات العمالية لخدمة هدف وطني أكبر هو بناء عامل مصري ماهر، وشاب أكثر قدرة على العمل، واقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة.

زر الذهاب إلى الأعلى