دنيا ودينأهم الأخبار

أحمد عزيزي الأزهري يكتب: سيرة المصطفى ﷺ مفتاح السعادة في الدارين وبوصلة الإيمان

بمناسبة حلول المولد النبوي الشريف وحبا وتقديرا لسيدنا محمد رسول الله ﷺ صاحب هذا المولد تأتي هذه الرسالة الصغيرة، وتعقد وراءها آمالا ورجاء من المولى جل جلاله أن يمدنا بمدد سيدنا محمد ﷺ.
وأود هنا أن ألفت أنظار جميع القراء إلى من يستحق أن تُبذل له المحبة في ذروة سنامها، فجواب من ثبت إيمانه وتدفق في صميم قلبه يقينه : هو سيدنا محمد ﷺ، أفضل المخلوقين على الإطلاق، فمن أحبه ﷺ فوق كل شيء وتعلق به ﷺ يكمل إيمانه ويسعد في الدارين، فمحبتك له ﷺ لابد أن تعلو وتفوق سائر المحبة، فالنبي ﷺ نفسه أخبرنا بهذا الشرط في حديثه الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ،فمن الأهمية بمكان أن نعرف الدوافع الأساسية التي تُولِّد محبته ﷺ.

والتاريخ هو السلسلة الأولى للمحبة، لأن كل شيء له تاريخه وبه يعرف كل شيء، ومن فوائد التاريخ ما ذكره الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه الماتع الشماريخ في علم التاريخ : منها معرفة الآجال، وحلولها وانقضاء العدد، وأوقات التآليف، ووفاة الشيوخ، ومواليدهم، والرواة عنهم، فتعرف بذلك كذب الكذابين وصدق الصادقين.
بل أزيد على ذلك أن من فوائده : العبرة والعظة وتثبيت الفؤاد، وإبراز القدوة، وخادم للعلوم.

فهذا التاريخ سوف يولد المعرفة لقارئه وباحثه فتكون هي السلسلة الثانية لها، والمعرفة نور الهداية وسبب الرفعة وسبيل المحبة وبها تقوم الأمم وتزدهر، فهذه المعرفة تولد الإعجاب فيكون هو السلسلة الثالثة لها، فالإعجاب ترسيخ للقيم وبعث للهمة ومحرك أساسي للإقتداء والإتباع بالمُعجَب به.

فهذا الإعجاب يولد الإنتماء، فالإنتماء هو السلسلة الأخيرة لها، فهو ارتباط قلبي وشعور نفسي بالولاء والمحبة وانتساب فكري بمبادئ من ينتمي إليه. فنشأت المحبة من خلاله، فالتاريخ يولد المعرفة، والمعرفة تولد الإعجاب، والإعجاب يولد الإنتماء، هذه سلسلة مترابطة للمحبة.

فنبينا ﷺ له حدث تاريخي كبير لا ينبغي للإنسان جهله، فتاريخه وسيرته ﷺ ينقسم الى ثلاثة : الشمائل، والخصائص ،والمعجزات، فهذه الثلاثة تسمى بالدلائل،
فنجد جمهرة من العلماء من كتب عن شمائله وخصائصه ومعجزاته ﷺ، فليس هنا مجال سرده.

بقدر قراءتك لدلائله وتاريخه وسيرته ﷺ تأتي المعرفة عنه ﷺ، ومرة سئل شيخنا الجليل والعالم النبيل مولانا الشيخ نور الدين علي جمعة حفظه الله تعالى، بما رأيت النبي ﷺ ؟ فأجاب بكثرة قراءة سيرته ﷺ، وكان حفظه الله يقرأ سيرة سيد المرسلين أكثر من ثلاثين عنوانا من كتب السيرة النبوية فيظهر له المصطفى ﷺ بعد ذلك في منامه ويقظته.

فأكثرْ من قراءة سيرته ﷺ وعشْ معه ﷺ في حياتك، واجعله ﷺ قدوة لك في كل حال، وارفع له ﷺ ذكره ﷺ بكثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ، وعلّمْ أهلك وأولادك وبناتك محبته ﷺ وارفع قدره ﷺ في نفسك وأسرتك والبيئة المحيطة بك، واجعله ﷺ وسيلة في دعائك لربك، وحط الرحال إليه ﷺ كثيرا في مدينته إن استطعت، فهذا كله لا يساوي عشر معشار محبته ﷺ لك.

ومعرفته ﷺ فرض واجب لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فكيف يصل إلى ذروة محبته ﷺ من ليس له دافع.

قرأت في مستهل مقدمة كتاب إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع للمؤرخ المصري الإمام تقي الدين أحمد بن علي المقريزي بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم صلى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو أهله وأطنب في مدحه وذكر محاسنه وجهوده وشمائله والدعاء له ثم أتى بفصل الخطاب وقال :
فغيرُ جَميلٍ بمن تَصدر للتَّدرِيسِ والإفتاءِ، والجُلوسِ للحُكمِ بينَ الناسِ وفَصل القضاء، أن يجهل من أحوالِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونَسبِه، وجَميلِ سيرتِه ورَفيعِ منصِبه ـ وما كان له من الأمورِ الذاتية والعرَضِيَّةِ، ما لا غِنى لِمَن صَدَّقَه وآمَنَ به ـ عن معرفته، ولا بُدَّ لكلِّ مَن اتسم بالعلمِ من دِرايته.

أزيد على ذلك فأقول : فغير جميل بمن أحياه الله تعالى في كونه أن يجهل من أحوال سيد الكونين وأشرف الثقلين وإمام الفريقين وزينة المشرقين والمغربين.

فعار كبير على محب أن يجهل محبوبه وعلى مأموم أن يجهل إمامه وعلى عبد أن يجهل سيده ومولاه، وعلى ولد أن يجهل والده وعلى تلميذ أن يجهل أستاذه وعلى أمة أن يجهل نبيه ورسوله ﷺ.

يقول الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المشهور بـ ابن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد: وإذا كانت سعادةُ العبدِ في الدارينِ معلَّقةً بهدي النبيِّ ﷺ، وجبَ على كلِّ من نصحَ نفسَه، وأحبَّ نجاتَها وسعادتَها، أن يعرِفَ من هَديِه وسيرتِه وشأنِه ما يخرُجُ به عن الجاهلينَ به، ويدخُلَ به في عِدادِ أتباعِه وشيعتِه وحِزبِه، والناسُ في هذا بينَ مستقلٍّ ومستكثِرٍ ومحرومٍ، والفضلُ بيدِ الله يُؤتيهِ من يشاء، واللهُ ذو الفضلِ العظيم.

فإذا أنفقتَ أوقاتَك، وبذلتَ جُهدَك، وأتعبتَ طرفَك في مطالعة كُتبِ السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وصبرتَ على تقليبِ أوراق وصفحات تلك الكتب، والتنقُّلِ بين فصولها وأبوابها، حتى وقفتَ على دقائق أخباره ﷺ فيها ومعالم أنواره ﷺ، فحينئذ يُشرق في قلبِك نورُ الإعجاب به ﷺ، وتترسَّخ في وجدانك الإنتماء له ﷺ.

فإعجابك به ﷺ بقدر معرفتِك له ﷺ، بحيث إذا سُئلتَ عن أخبار سيدنا محمدٍ ﷺ وسيرته، أجبت عنها جواب العارف الخبير، وبيَّنتها بيان المحبِّ البصير.
وأن هذا الإعجاب أصل الإنتماء ومصدره، وبالإنتماء تحصل المحبة الصادقة الخالصة،رزقنا الله وإياكم محبة سيدنا محمد ﷺ واتباعه وشفاعته ومرافقته في الجنة يا رب العالمين.

أحمد عزيزي الأزهري/ مدير معهد سعادة الدارين لومبوك بإندونيسيا

زر الذهاب إلى الأعلى