أهم الأخبارعمال

اتحاد العمال يطرح رؤية متكاملة لمواجهة عمل الأطفال: الحماية تبدأ من الأسرة والتعليم.. والنقابات شريك في الرصد والوقاية

 

كتبت _ نجوى ابراهيم 

طرح الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، برئاسة عبد المنعم الجمل، رؤية متكاملة لمواجهة ظاهرة عمل الأطفال، تقوم على تجاوز التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفة داخل سوق العمل، إلى النظر إليها باعتبارها قضية وطنية متعددة الأبعاد ترتبط بالفقر والتعليم والحماية الاجتماعية ودعم الأسرة وحقوق الطفل والعمل اللائق.

جاء ذلك خلال مشاركة الاتحاد في اللقاء الوطني لمناقشة النظام الوطني لرصد وإدارة وإحالة حالات عمل الأطفال، ومسودة الجيل الثاني من الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ودعم الأسرة، بحضور حسن رداد وزير العمل، والدكتورة سحر السنباطي رئيس المجلس القومي للطفولة والأمومة، وإيريك أوشلان مدير مكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة، ومروة صلاح عبده مديرة برنامج الامتثال ومكافحة عمل الأطفال بمنظمة العمل الدولية، إلى جانب ممثلي الوزارات والجهات الوطنية وأصحاب الأعمال والمنظمات الدولية وأعضاء اللجنة التوجيهية الثلاثية الوطنية.

وخلال اللقاء، أكد عبد المنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، أن المواجهة الفعالة لعمل الأطفال تبدأ من فهم الأسباب التي تدفع الطفل إلى سوق العمل، وليس فقط من اكتشافه داخل موقع العمل، موضحًا أن إخراج الطفل من بيئة العمل الخطرة يمثل خطوة مهمة، لكنها لن تكون كافية ما لم يصاحبها تدخل يعالج الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الأسرة إلى تشغيله.

وأشار الجمل إلى أن الفقر والحاجة الاقتصادية والتسرب من التعليم وضعف الوعي، إلى جانب صعوبة وصول بعض الأسر إلى خدمات الحماية الاجتماعية، تمثل عوامل رئيسية في استمرار الظاهرة، الأمر الذي يستدعي بناء منظومة متكاملة تجمع بين الحماية الاجتماعية والتعليم والتوعية والتفتيش والرقابة ودعم الأسرة والتدخل المبكر.

وأكد أن الطفل الذي يدخل سوق العمل في سن مبكرة لا يخسر جزءًا من طفولته فقط، وإنما قد يفقد كذلك فرصته في التعليم واكتساب المهارات وبناء قدراته، بما يؤثر على مستقبله وعلى قدرة المجتمع نفسه على الاستفادة من طاقاته، مشددًا على أن حماية الأطفال تمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل الدولة وليست عبئًا على عملية التنمية.

وفي هذا الإطار، رحب الاتحاد بالنظام الوطني لرصد وإدارة وإحالة حالات عمل الأطفال، باعتباره خطوة مهمة نحو توحيد الجهود والانتقال من التعامل مع الحالات بصورة متفرقة إلى منظومة وطنية واضحة تحدد مسؤوليات كل جهة، وتربط بين اكتشاف الحالة وتقييمها وإحالتها ومتابعتها، وصولًا إلى توفير الخدمات المناسبة للطفل وأسرته.

وشدد الاتحاد على أن نجاح منظومة الرصد لا ينبغي أن يقاس بعدد الحالات التي يتم اكتشافها فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق تدخل حقيقي ومستدام يغير ظروف الطفل، ويعيده إلى التعليم، ويوفر الحماية اللازمة له، ويمنع عودته إلى العمل الخطر مرة أخرى.

كما دعا إلى أن تتسم الخطة الوطنية الجديدة بالوضوح وقابلية التنفيذ والقياس، مع وضع مؤشرات محددة للنتائج، وتحديد أدوار ومسؤوليات الجهات المعنية، وآليات التنسيق والإحالة والمتابعة، بما يمنع ضياع الحالات بين تعدد الاختصاصات ويضمن التعامل معها في الوقت المناسب.

وطالب الاتحاد بتعظيم الاستفادة من منظومة التفتيش العمالي، بحيث لا يقتصر دورها على ضبط المخالفات وتحرير المحاضر، وإنما تمتد نتائج أعمال التفتيش إلى تحليل أنماط تشغيل الأطفال وتحديد القطاعات والمناطق الأكثر تعرضًا للظاهرة، بما يسمح بتوجيه جهود الوقاية والتوعية والتدخل المبكر إلى الأماكن الأكثر احتياجًا.

وأكد أن الإطار التشريعي الجديد يوفر أساسًا مهمًا لتعزيز حماية الأطفال، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل النصوص القانونية إلى إجراءات فعالة على أرض الواقع، ورفع كفاءة أجهزة التفتيش والرقابة، وضمان قدرتها على الوصول إلى مختلف أنماط وأماكن العمل التي قد تشهد مخالفات.

وفي رؤية الاتحاد، لا يمكن فصل حماية الطفل عن حماية الأسرة، إذ إن منع الطفل من العمل دون توفير بديل اقتصادي واجتماعي للأسرة قد يؤدي إلى عودته إلى سوق العمل بصورة أخرى، وهو ما يفرض إدماج الحماية الاجتماعية ودعم الأسرة داخل صميم الخطة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال.

وأكد الاتحاد ضرورة توسيع تعريف الأسر بالخدمات الاجتماعية المتاحة وآليات الاستفادة منها، مع إعطاء الأولوية للأسر الأكثر احتياجًا، بما يساعد على تخفيف الضغوط الاقتصادية التي قد تدفعها إلى الاعتماد على دخل الأطفال.

وفي المقابل، يرى الاتحاد أن للحركة النقابية دورًا يتجاوز الدفاع عن حقوق العمال داخل مواقع العمل، ليشمل الإسهام في الوقاية من الظواهر التي تمس سوق العمل والمجتمع، وفي مقدمتها تشغيل الأطفال.

وأوضح أن التنظيم النقابي يمتلك ميزة مهمة تتمثل في وجوده داخل مواقع العمل واحتكاكه المباشر بالعمال، وهو ما يمكن توظيفه في نشر الوعي بحقوق الطفل والعمل اللائق، ورصد الممارسات المخالفة، والتعاون مع الجهات المختصة في الإبلاغ والتدخل، إلى جانب دعم برامج التوعية والوقاية.

وأكد الاتحاد أن هذا الدور ينبغي أن يتم في إطار مؤسسي واضح داخل منظومة الرصد والإحالة، بحيث تصبح النقابات أحد روافد الوقاية والكشف المبكر، دون أن يحل دورها محل الجهات الرقابية أو التنفيذية المختصة.

وشدد الجمل على أن الحوار الاجتماعي بين أطراف العمل الثلاثة يمثل أحد أهم المسارات للوصول إلى حلول قابلة للتطبيق، مؤكدًا أن مواجهة عمل الأطفال مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل أدوار الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال وتنظيماتهم النقابية، إلى جانب المجتمع المدني والمنظمات الدولية.

وتقوم رؤية الاتحاد، في هذا السياق، على توزيع واضح للأدوار؛ فالدولة تضع التشريعات والسياسات وتوفر منظومة الحماية، وأصحاب الأعمال يلتزمون بمعايير العمل اللائق وأحكام القانون، بينما تسهم التنظيمات النقابية في التوعية والرصد والوقاية، ويقدم المجتمع المدني والمنظمات الدولية الخبرة والدعم الفني اللازم.

وأكد الاتحاد العام لنقابات عمال مصر دعمه للجهود الوطنية الرامية إلى القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، مشددًا على استعداده للتعاون مع وزارة العمل والمجلس القومي للطفولة والأمومة ومنظمة العمل الدولية وأصحاب الأعمال ومختلف الجهات الوطنية، من أجل تحويل التوافقات والسياسات إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ والقياس.

ويرى الاتحاد أن المعيار الحقيقي لنجاح السياسة الوطنية لمواجهة عمل الأطفال لا ينبغي أن يتوقف عند أعداد الحالات التي تم ضبطها، وإنما يجب أن يقاس بعدد الأطفال الذين تمت حمايتهم وإعادتهم إلى التعليم، وبمدى قدرة المنظومة على معالجة أسباب الظاهرة ودعم الأسر ومنع تكرارها.

وتتمحور رؤية الاتحاد حول الانتقال من «اكتشاف الطفل في العمل» إلى «الوصول إليه قبل أن يدخل العمل الخطر»، من خلال الإنذار المبكر، ودعم الأسرة، والحفاظ على انتظام الطفل في التعليم، وتوفير الحماية الاجتماعية، وتطبيق القانون، بما يضمن ألا يتحول الفقر أو ضعف الحماية إلى طريق إجباري يدفع الطفل إلى سوق العمل.

ففي النهاية، حماية الطفل ليست ملفًا منفصلًا عن التنمية، وإنما جزء من بناء رأس المال البشري ومستقبل سوق العمل نفسه؛ وكل طفل يحصل على حقه في التعليم والحماية والنمو السليم يمثل استثمارًا في قوة المجتمع ومستقبل الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى