أبو المجد الجمال يكتب: واشنطن – طهران… حين يعيد التصعيد تشكيل قواعد الحرب

المشهد الآن يبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فبينما تراهن واشنطن على العقوبات الاقتصادية بالتوازي مع التصعيد العسكري لعزل إيران وانهيارها من الداخل، تراهن طهران على أن حرب الاستنزاف والصمود تزيد من كلفة الحرب الأمريكية لإخراج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا سيما مع بدء العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل، وإن كان ترامب نفسه زعم أن هذه الانتخابات لا تشكل ضغطًا عليه، كما تراهن إيران على تحقيق المعادلة الصعبة، وتتمثل في نقل الحرب خارج حدودها وجعل قرار واشنطن غير أحاديًا، ويبرز ذلك في تصعيد المواجهة الأخيرة بين الطرفين، وفق خبراء ومحللين.
فبالتزامن مع قمة شنغهاي وتأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خلالها أن موسكو ستساعد طهران وتمدها بكل ما تحتاجه، ومحاولة المجرم نتنياهو احتلال الضفة الغربية وابتلاعها بالكامل عبر السماح للمستوطنين بالاستيلاء على أراضي ومنازل الفلسطينيين، في ظل توسيع الاستيطان الإرهابي لمنع إقامة أي دولة فلسطينية، تجدد صراع محدود في مضيق هرمز، تحاول إيران من خلاله إعادة رسم قواعد الحرب.
البداية العاصفة، حينما كشف الحرس الثوري كواليس هجوم العدو الأمريكي على جزيرة لارك، أسفر عن مقتل وإصابة عدد من مقاتليه ومواطنيه، ووصف الحرس الثوري الهجوم بالخطأ الاستراتيجي القاتل، مؤكدًا أن واشنطن ستدفع ثمن حساباتها الخاطئة عسكريًا واقتصاديًا.
كما كشف الحرس الثوري كواليس اندلاع حرائق في ناقلة نفط مخالفة اصطدمت بلغمين أثناء اختراقها مسارًا غير قانوني جنوبي هرمز.
وفي المقابل، استهدفت إيران مجددًا القواعد الأمريكية في الأردن والإمارات بالصواريخ والمسيرات.
ومن جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: «لا زلنا نسعى إلى تحقيق الاتفاق، ونعتقد أن استمرار الحرب ليس في مصلحتنا ولا مصلحة المنطقة»، واتهم عراقجي نتنياهو بأنه يجر واشنطن إلى الحرب على إيران.
وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لرئيس الوزراء الباكستاني استعداد إيران لتنفيذ مذكرة التفاهم، شرط التزام الطرف المقابل، وأوضح أنه يجب تجنب الحرب وإرساء السلام والأمن في المنطقة، بحسب الرئاسة الإيرانية.
وفي الموازاة، قالت القيادة المركزية الأمريكية: «لقد اتخذنا إجراءً محدودًا ودقيقًا مع قوات تابعة للحرس الثوري تسببت في تهديد بمضيق هرمز، وذلك لحماية الملاحة التجارية والبحرية»، وفق بيانات رسمية ووسائل إعلام إيرانية وأمريكية.
وتوعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب إيران بشدة والرد بقوة على هجومها على القوات الأمريكية في الأردن، وزعم أن مضيق هرمز في وضع رائع، ومعدل عبور السفن هو 30 سفينة كل ليلة، وأكد أن العقوبات الأمريكية على إيران بدأت تؤثر بقوة، وفق ما أوردته فوكس نيوز.
وفي السياق ذاته، قال مسؤولون أمريكيون إن ترامب يدرس شن ضربات محدودة بمضيق هرمز، لمنع إيران من إعادة بناء قدرتها المخصصة لمهاجمة السفن، بحسب موقع أكسيوس.
ثم جاء الرد الأمريكي، وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن ضربة اليوم على إيران كانت قوية جدًا، وإنها إذا ردت، فستُضرب بقوة أشد وطأة بكثير، ولن يبقى من الجمهورية الإسلامية إلا القليل، وستُمحى كليًا، وإن الاتفاق مع الإيرانيين لا يساوي الورق الذي كُتب عليه، وإنه منحهم فرصًا كثيرة، وفق ما أوردته فوكس نيوز.
ولاحقًا قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصة ثروت سوشيال: «نملك سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز، ولا نسعى إلى إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، والاقتصاد الإيراني ينهار إزاء الضربات الأمريكية والحصار البحري»…
ويبقى السؤال: لماذا لا تبادر الولايات المتحدة وتتراجع خطوة لفتح الباب أمام العودة إلى طاولة المفاوضات؟
وفي لغز مثير، طرح وزير الخزانة الأمريكية 3 خيارات أمام إيران: إما انقلاب الحرس الثوري على بعضه، وإما انقلاب الشعب عليه، وإما عودة إلى طاولة المفاوضات. وفق ما أوردته قناة الجزيرة.
وزعم مصدر أمريكي مطلع أن رد إيران على هجمات القوات الأمريكية يتسم بانعدام الفاعلية، وفق ما أوردته قناة الجزيرة. وأكد مسؤولون أمريكيون أنه تم ضرب 100 هدف إيراني في الهجوم الأخير، بحسب موقع أكسيوس.
وبينما أشعل رئيس وزراء الاحتلال المجرم بنيامين نتنياهو المشهد، وزعم أن إيران قد تهاجم إسرائيل خلال الأعياد اليهودية، وقال: «نحن نراقب يوميًا، ومستعدون للرد على أي هجوم، ومن الممكن أن نضرب إيران في أي وقت نريد»…
وهنا يطرح السؤال الشائك نفسه بقوة: هل تفعلها إيران وتقع في الفخ وتضرب تل أبيب؟
وفي الموازاة، أعلن التلفزيون الإيراني هجومًا أمريكيًا على مطار جيرفت بمحافظة كرمان جنوبي البلاد، وسماع دوي انفجارات في قشم وبندر عباس وتشابهار وجاسك وسيريك وكنارك.
وقالت هيئة الأركان الإيرانية إنها سترد بقوة على العدوان الأمريكي على مناطق في سيستان وبلوشستان وهرمزغان جنوب شرقي البلاد.
وقال المتحدث باسم الحرس الثوري إن الولايات المتحدة ستندم على هجماتها الأخيرة.
وبالفعل، ولأول مرة، وفي أقل من ساعتين من العدوان الأمريكي، ردت إيران باستهداف سفن حربية أمريكية في خليج عُمان بصواريخ مضادة للسفن، كما استهدفت القواعد الأمريكية في الأردن وأربيل بالعراق والبحرين والكويت والإمارات، وفقًا لبيانات رسمية ووسائل إعلام إيرانية.
وهنا يبرز السؤال: لماذا تعني هذه التطورات تغييرًا في قواعد الحرب؟
لأن إيران، وفقا لخبراء ومحللون، لم تعد تكتفي بامتصاص الضربات الأمريكية، وإنما أصبحت ترد بقوة، وتحاول نقل الحرب إلى خارج حدودها، لتصبح الأزمة في قلب العالم؛ فكلما اشتعلت الحرب في مضيق هرمز، اشتعلت معها أزمة الطاقة العالمية، وتصدرت تداعياتها إلى دول الخليج، عبر استهداف المواقع والقواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها. ولعل استهداف إيران للقواعد الأمريكية في الأردن، التي تضم قوات من مشاة البحرية الأمريكية «المارينز»، وما أثاره ذلك من غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمثل دلالة واضحة على انتقال المواجهة من نطاقها المباشر إلى ساحات أوسع، بما يرفع كلفة الحرب ويجعل تداعياتها تتجاوز طرفي الصراع.
وحذر الحرس الثوري من أن الهجمات الأمريكية ستؤدي إلى إحكام إغلاق مضيق هرمز. وأعلن مقتل 4 من قواته في هجوم أمريكي على كرمانشاه غربي البلاد، وبينما أعلنت وزارة الصحة الإيرانية مقتل 18 مواطنًا وإصابة 108 آخرين في الهجوم الأمريكي الأخير على محافظات عدة.
ورغم تهديد ترامب بضرب إيران بقوة أشد وطأة بكثير ولن يبقي منها إلا القليل إذا ردت علي الهجمات الأمريكية، استهدفت إيران في اليوم الثالث للتصعيد المصالح والقواعد الأمريكية في الكويت بالصواريخ والمسيرات ردا علي جرائم الولايات المتحدة بحق الشعب الإيراني، وفق ما أورده التليفزيون الرسمي الإيراني، ويأتي ذلك في إطار رفع سقف التصعيد والتهديدات بين الطرفين. ومن هنا يري خبراء ومحللون أن التصعيد الأمريكي الإيراني سيظل محدودا في ظل عدم رغبة الطرفين في الانزلاق إلي حرب شاملة لا يمكن السيطرة عليها. وفي وقت تتجه فيه الاستراتيجية العسكرية والسياسية الأمريكية إلي صراع طويل الأمد وخيارات مفتوحة ضد إيران، ويبرز ذلك تصريحات المسؤولين الأمريكيين، فبينما مدد وزير الدفاع بيت هيجسيث انتشار القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى عام 2027، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال. قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إنه لا يستطيع تحديد موعد انتهاء الصراع.
وفي المحصلة:
تبقى حالة اللا حرب واللا سلم قائمة، كلما يخشى طرفا الصراع، واشنطن وإيران، الانزلاق إلى حرب إقليمية لا يمكن السيطرة عليها، وهو ما يعززه التصعيد الأخير، فواشنطن تضرب بقوة وقسوة، وطهران لم تعد تصمد فقط، بل ترد بقوة أيضًا، وتحاول نقل الحرب إلى خارج حدودها ليكون العالم في قلب الأزمة عبر تعطل مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، لاستنزاف الولايات المتحدة ورفع الكلفة، حتى يصبح قرارها غير أحادي. ومن هنا، فإن المنطقة تدخل مرحلة حرب كسر الإرادات وإعادة تشكيل قواعد الحرب.

أبو المجد الجمال يكتب: واشنطن – طهران… حين يعيد التصعيد تشكيل قواعد الحرب








