مروه احمد عبدالعليم تكتب:بعد وصف بوتن مصر بـ”الصديق العريق”كيف تتلاقى رؤى القاهرة وموسكو في قمة نيودلهي؟

تمتد العلاقات المصرية الروسية لعقود طويلة، وشهدت منذ خمسينيات القرن الماضي محطات متعددة من التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، ارتبطت خلالها بعدد من المشروعات التي تركت أثرًا واضحًا في مسار التنمية المصرية. فلم تكن هذه العلاقات يومًا بروتوكولية عابرة، وإنما قامت على المصالح والاحترام المتبادل، ورسّختها قيادات البلدين عبر مراحل مختلفة، قبل أن تتسع مجالاتها خلال السنوات الأخيرة لتشمل قطاعات جديدة، من بينها الطاقة والتجارة والمشروعات الكبرى، إلى جانب مجموعة من القضايا الإقليمية والدولية.
ومع التحولات المتسارعة في البيئة الدولية، حافظت القاهرة وموسكو على قنوات اتصال مستمرة، سواء عبر اللقاءات المباشرة بين القيادتين أو من خلال الأطر متعددة الأطراف، بما يعكس أهمية التشاور بين البلدين بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وفي هذا السياق، جاءت مشاركة مصر في قمة مجموعة البريكس بنيودلهي في إطار توجه متصاعد نحو تعزيز حضورها في التجمعات الدولية متعددة الأطراف، وحرصها على تنويع شركائها الاقتصاديين والسياسيين في ظل تحولات النظام الدولي. ولم تكن هذه المشاركة الأولى من نوعها، إذ سبق أن شاركت مصر في فعاليات سابقة للمجموعة، وهو ما يعكس استمرار اهتمامها بهذا الإطار الذي يضم أبرز الاقتصادات الصاعدة في العالم.
وتُعد هذه المشاركة امتداداً لسياسة خارجية تسعى إلى تحقيق توازن بين القوى الكبرى، وتوسيع هامش الحركة في القضايا الإقليمية والدولية، إلى جانب الاستفادة من الفرص المتاحة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة، وهو ما يمنح حضور القاهرة في قمة نيودلهي بُعداً يتجاوز الإطار الرمزي إلى المصالح العملية.
على هامش هذه القمة، جاء لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس عبد الفتاح السيسي، ليضيف محطة جديدة إلى مسار العلاقات بين البلدين. وقد حمل اللقاء، الذي وصفه الجانب الروسي بأنه ذو أهمية بالغة، ليس فقط لأنه جاء على هامش قمة تجمع أبرز القوى الصاعدة في العالم، بل لأن الرئيس بوتين اختار أن يوجه فيه رسائل واضحة عن مكانة مصر في السياسة الروسية، فوصفها بأنها “الصديق العريق والموثوق” في المنطقة، مؤكداً أن بلاده “تأخذ موقف مصر بعين الاعتبار عند صياغة سياستها في الشرق الأوسط وأفريقيا”.
وقال بوتين مخاطباً السيسي: “تجري أحداث كثيرة في المنطقة والعالم ولا يقتصر اهتمامي على معرفة موقفكم من هذه القضايا فحسب، بل هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لي”، وأضاف أن موسكو تأخذ موقف مصر في الحسبان عند وضع سياستها العملية، ولذا فإن هذا الاجتماع الحالي ذو أهمية بالغة.
ومن جانبه، أفاد السيسي بأن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 10 مليارات دولار، وشكر الجانب الروسي على مساعدته في تنفيذ مشاريع كبرى، ولا سيما بناء محطة الضبعة للطاقة النووية، التي تُنفذ بمشاركة شركة “روس اتوم”، وأشار الرئيس الروسي إلى أن موسكو والقاهرة على تواصل دائم، وأن المشاريع المشتركة الكبرى تُنفذ وفقاً للخطة الموضوعة رغم أي صعوبات، وأن التبادل التجاري بين البلدين لا ينمو فحسب، بل يتحسن هيكله أيضاً.
وقد سبق لقاء نيودلهي لقاءات متعددة بين الزعيمين خلال الفترة الماضية، من بينها ما ذكره الرئيس الروسي في الرابع من يونيو الماضي، حين تحدث عن علاقته الشخصية الطيبة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي قال إنها تُسهم في تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، وأشار بوتين في ذلك الوقت إلى أن التبادل التجاري بين البلدين يشهد نموًا مطردًا، وأن الجانبين يناقشان إنشاء قاعدة تكنولوجية في وادي النيل، بالإضافة إلى مشروع بناء محطة نووية في مصر. وتُعد هذه الملفات نفسها من القضايا التي حضرت في لقاء نيودلهي.
ولم يقتصر اللقاء في نيودلهي على الملفات الثنائية فقط، بل امتد ليشمل القضايا الإقليمية والدولية. وقد وجّه بوتين دعوة شخصية لنظيره المصري لحضور القمة الروسية الأفريقية المقررة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر المقبل، وقال مخاطباً السيسي: “أتذكر كيف أنشأنا، تحت قيادتكم، في سوتشي، صيغة جديدة للتعاون الروسي الأفريقي وهذا العام نعقد حدثاً آخر من هذا القبيل”، ويأمل الجانب الروسي أن تُشكل محادثات نيودلهي بدايةً لتواصل رفيع المستوى سيستمر في موسكو.
كما أن استضافة موسكو لهذا الحدث بعد النسخة الأولى التي احتضنتها سوتشي بمشاركة مصرية فاعلة، تشير إلى أن القاهرة تُعد طرفاً محورياً في صياغة أجندة التعاون الروسي الأفريقي، حيث تمثل القمة الروسية الأفريقية منصة متعددة الأطراف تجمع موسكو بدول القارة، وتُطرح خلالها ملفات التعاون الاقتصادي والتنموي إلى جانب القضايا السياسية ذات الاهتمام المشترك.
ومن أبرز القضايا التي طرحها الرئيس السيسي في اللقاء ايضاً، مسألة استقرار إمدادات الحبوب، وقال: “تستورد مصر كميات كبيرة من الحبوب من روسيا وأوكرانيا، وبالطبع، فإن ضمان استقرار هذه الإمدادات أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا ونرغب في تحقيق الاستقرار معاً، من خلال الجهود المشتركة”. وشدد على أهمية ضمان أمن المياه والممرات المائية، وحرية الملاحة، واستقرار إمدادات الحبوب. فمصر، التي تعد من كبار مستوردي القمح الروسي، استقبلت ما يقارب 10.6 مليون طن خلال الموسم الزراعي 2025/2026، وهو أعلى رقم بين 63 دولة تستورد القمح الروسي. لكن هذه الإمدادات تعرضت لانخفاض حاد في الفترة الأخيرة بسبب مشاكل الشحن وتضرر البنية التحتية للموانئ في حوض بحر آزوف-البحر الأسود، وخاصة في نوفوروسيسك، حيث تم شحن 7.4 ألف طن فقط إلى مصر في الفترة من 1 إلى 10 سبتمبر، مقارنة بـ 402 ألف طن في الأيام العشرة الأولى من سبتمبر 2025.
ومن هنا، يأتي لقاء الرئيس بوتين والرئيس السيسي في سياق علاقات تمتد لسنوات طويلة، وتطورت خلالها مجالات التعاون من المشروعات التنموية إلى ملفات اقتصادية وسياسية أكثر تنوعًا، وهو ما انعكس في تناول اللقاء لقضايا تتجاوز الإطار الثنائي لتشمل ملفات إقليمية وأفريقية إلى جانب التعاون الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، تركز القاهرة على ملفات ترتبط بأمن الغذاء والمياه والممرات المائية، بينما تولي موسكو أهمية لتنسيق المواقف السياسية وتعزيز علاقاتها مع دول أفريقيا والشرق الأوسط
.
وبذلك، شكل لقاء نيودلهي محطة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، حملت في طياتها ملفات ثنائية وإقليمية، تعكس حجم المصالح المشتركة بين القاهرة وموسكو، ومع استمرار هذه الملفات وتغير الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بها، تظل متابعة مسار العلاقات المصرية الروسية وما يطرأ عليه من أولويات جديدة أمرًا جديرًا بالاهتمام خلال المرحلة المقبلة.
مروه احمد عبدالعليم تكتب:بعد وصف بوتن مصر بـ”الصديق العريق”كيف تتلاقى رؤى القاهرة وموسكو في قمة نيودلهي؟
مروة أحمد عبد العليم – اخصائى اعلام دولى







