طاهر إدريس يكتب :اقتصاد البركة وفن التدبير

يعيش المصريون معادلة لا يستطيع كتابتها أكبر الاقتصاديين. المصري يحسب دخله بالورقة والقلم لكن الحياة تدبر بالحكمة والبركة واللمة.
لو نظرت من بعيد، سترى المشهد صعباً أسعار تتحرك مرتب يكاد لا يكفي ومواصلات مزدحمة ويوم طويل. ولو اقتربت أكثر ستجد شعباً عبقرياً في اختراع الحلول حول الصعوبة نفسها إلى مادة خام للاستمرار.
يا مصري بتعملها إزاي.. المصري اخترع نظاما اقتصاديا غير موجود علي الخريطة وهو ” اقتصاد الظل ” وفر لنفسه شغلانة جنب الشغلانة فتجد الموظف موظف الصبح وسائق أوبر بعد ميعاد الوظيفة ومدرسا خصوصيا في المساء. الشاب مهندس، لكنه يبيع أونلاين. الست موظفة لكنها تعمل مشروع أكل بيتي تروج له على الفيسبوك.
المصري لا يعتمد على مصدر واحد. هذه ليست رفاهية تعدد مصادر الدخل هذه غريزة بقاء. الجميع يعرف كيف يحول مهارته البسيطة إلى جنيه إضافي.
عندنا في مصر العائلة ليست مجرد علاقة عاطفية هي نظام تأمين اجتماعي تتحول في بعض الأوقات لتصبح العائلة وزارة للتضامن فتجد الجد والجدة يربون الأحفاد حتى يعمل الآباء، الأخ يسلف أخاه بدون إيصالات الأخت المتزوجة الميسورة ترسل “شنطة” لأمها فيها زيت وسكر ورز و”اللي معاه يشيل اللي ما معاهوش” – هذه ليست أمثال، هذه خطة اقتصادية يومية تجعل الأزمة تتوزع فلا تسحق فرداً واحداً.
المصري يحسبها بشكل مختلف قد يكون المرتب 6000 جنيه، والمصاريف نظرياً 10 آلاف لكن الشهر يعدي هتقولي إزاي؟ هقولك هو ده سر البركة في البيت المصري.
البركة هي كيلو لحمة يتقسم على يومين ويعمل ثلاث أكلات القميص القديم يتحول لطقم خروج بمجرد إنه يروح لترزي يصلحه يا أصحاب الريال والدينار الفول والطعمية ليس فقراً بل فلسفة “أكلة تشبع وتلم”.
هو فن التقليل الذكي، لا الحرمان.
والأهم هو لا يوجد شعب يحول أزمته إلى نكتة مثل المصريين زحمة المترو تتحول لفيديو تيك توك، وغلاء الأسعار يصبح قفشة على القهوة.
هذه ليست تفاهة هذه مقاومة. الضحك يمنع اليأس من أن يسكن البيت. القهوة في حد ذاتها مؤسسة علاج نفسي جماعي الفيزيتا ب 25 جنيها بس.
المصري دائماً يخترع البدائل
فإذا اللحمة غليت يشتري الفراخ وإذا غلت الفراخ هناك الأجزاء منها و إذا غلت الملابس الجديدة هناك سوق الوكالة وملابس البالة التي أصبحت موضة في حد ذاتها.
المصري لا يتمسك بالسلعة بل يتمسك بالوظيفة يريد أن يأكل يلبس يفرح أولاده بأي طريقة حلال لذلك تجد دائماً سوقاً موازياً أرخص، وحلاً وسطاً.
الأصل في المصري هي الجدعنة والشهامة فهما رأس المال الحقيقي عنده في الأزمة تسمعه يقولك ” أنا جنبك ” كلمة تساوي عند صاحب الأزمة مليارات الريالات في مصر صاحب سوبر ماركت الذي يكتب لك في النوتة لآخر الشهر.
هذه ثقة غير مقدرة بثمن هي التي تمنع الناس من السقوط الحقيقي. الجدعنة عملة صعبة لا تتأثر بسعر الدولار ولا الريال.
تدبير الحياة في مصر ليس مجرد شطارة اقتصادية بل هو فلسفة كاملة معناها ” أن تعيش ليس معناه أن تمتلك الكثير بل أن تجعل القليل يكفي الكثير “.
المصريون لا ينتظرون أن تصبح الحياة سهلة ليعيشوها. هم يعيشونها رغم صعوبتها بكرم بضحكة بلمة حلوة وبإيمان ويقين عميقين بأنها “هتفرج وهتبقي ألسطة ”
طاهر إدريس يكتب :اقتصاد البركة وفن التدبير








