يوسف عبداللطيف يكتب: الاعتراف الممنوع.. كيف أقنعت هبة عبدالفتاح نجوم مصر بخلع أقنعتهم

ثمة نوع من الكتابة لا يقاس بعدد الصفحات التي حشدها الكاتب، بل بحجم الصمت الذي تجرأ على خرقه، وحين أعلنت هبة عبدالفتاح عن كتابها «الباحثات عن الحب»، لم تكن تطرح مجرد عنوان جذاب لموسم كتابي، بل كانت تفتح بابا ظل مغلقا بإحكام في وعينا الجمعي: باب الاعتراف.
في مجتمعاتنا العربية، الحب ليس مشكلة عاطفية بقدر ما هو “ملف أمن قومي شخصي” — كل واحد منا يخبئ نسخته الخاصة من الخسارة، ويحرسها بصمت يشبه الوصية، وهنا بالضبط تكمن جرأة المشروع الذي راهنت عليه هبة عبد الفتاح: أن تقنع شخصيات معروفة، رجالا ونساء، بأن يفتحوا “خزينة أسرارهم” لا من أجل الفضيحة، بل من أجل أن يتحول الجرح الفردي إلى منفعة جماعية، هذا ليس عملا صحفيا عابرا، هذا عقد ثقة نادر، يتطلب من الكاتبة أن تكون في آن واحد: مستمعة بلا حكم، وحارسة أمينة للسر، وناقلة أمينة للتجربة الإنسانية دون خيانة أصحابها.
المفارقة الجميلة في مشروع هبة عبد الفتاح أنها لا تكتب من برج المثقف الذي ينظر عن الحب من بعيد، بل من موقع الصحفية التي عركتها الميدان، وعرفت أن أصدق الحكايات ليست تلك التي تختلق، بل تلك التي تروى بثقة من عاشها، هذا الخط الفاصل بين “الأدب المتخيل” و”الشهادة الحية” هو تحديدا ما يمنح هذا العمل وزنه: فهو لا يطلب منك أن تصدق حبكة، بل يطلب منك أن تواجه مرآة.
ولأن هذا الصدق ليس نزوة تقنية عابرة، بل عقيدة كتابة راسخة عند صاحبته، فقد أكدته الكاتبة لاحقا حين مضت في نفس الخط من المواجهة المؤلمة، نحو روايتها “هايدي”، التي حولت فيها فاجعة شخصية عميقة إلى نص مقروء يخاطب الناس لا ليستدر عطفهم، بل ليشاركهم معنى الفقد والصبر، هذا التكرار في الاختيار — أن تذهب الكاتبة دائما نحو المنطقة الأكثر خطورة والأكثر إنسانية في آن — يكشف عن مشروع فكري متماسك، لا عن كتابة عابرة تطارد عناوين الموسم.
ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرح بصرامة، لا أن يتجاوز بالانبهار: أين تقف اللغة نفسها من هذا الصدق؟ هل يكفي أن يكون الاعتراف صادقا حتى يكون أدبا، أم أن المسافة بين “الشهادة” و”النص” تحتاج إلى حرفية تصان بها الجملة من الانزلاق نحو التقرير الصحفي المباشر؟ هذا سؤال لا تدان به الكاتبة، بل يفتح أمامها وأمام قارئها معا، لأن أصعب ما يواجه من يكتب الألم الحقيقي هو ألا يخون لغته وهو يخدم صدقه.
ما تفعله هبة عبدالفتاح، في جوهره، هو إعادة الاعتبار لفكرة أن الكتابة الحقيقية فعل شجاعة قبل أن تكون فعل بلاغة، فحين يعجز الكثيرون عن قول “أنا تألمت” بصوت مسموع، تأتي هي لتصنع لهم مساحة آمنة يقولون فيها الحقيقة كاملة، دون أن يخسروا أسماءهم أو كرامتهم، وهذا، في زمن يعشق الضجيج ويخشى الصدق، إنجاز لا يقاس بالمبيعات، بل بالأثر الذي يتركه في وعي من قرأه.
يوسف عبداللطيف يكتب: الاعتراف الممنوع.. كيف أقنعت هبة عبدالفتاح نجوم مصر بخلع أقنعتهم








