أهم الأخبارآراءعمال

عبدالمنعم الجمل يكتب: الريس سعد محمد أحمد.. سيرة قائد وذاكرة مرحلة

 

المرحوم الريس سعد محمد أحمد ليس مجرد اسم في سجل رؤساء الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، ولا مجرد رئيس اتحاد تولى المسؤولية من يوليو 1976 حتى يونيو 1987، ولا وزير سابق للقوى العاملة والتشغيل، وإنما هو واحد من الشخصيات التي يجب أن تُقرأ في سياق مرحلة كاملة من تاريخ مصر والحركة النقابية.

الحديث عن الريس سعد يحتاج إلى أن نتذكر الزمن الذي عاش فيه والمرحلة التي تولى فيها المسؤولية؛ لأنها كانت مرحلة مختلفة بكل تفاصيلها، وكانت مصر تشهد فيها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، وكانت القضايا الوطنية والعربية حاضرة بقوة، وكان الموقف من قضايا الأمة العربية والقضايا القومية جزءًا من الوعي العام ومن وجدان الحركة العمالية.

وفي وسط كل ذلك كان العمل النقابي له معنى مختلف، وكان النقابي الحقيقي ليس مجرد صاحب منصب، لكنه كان صاحب موقف وصاحب حضور وصاحب قدرة على التعبير عن العمال وعن القضايا التي شغلت المجتمع.

والريس سعد كان موجودًا في قلب هذه المرحلة، وكانت فترة رئاسته للاتحاد واحدة من الفترات الطويلة والمؤثرة في تاريخ الاتحاد العام، وهي الفترة التي شهدت تحولات مهمة في المجتمع المصري وفي الاقتصاد وفي علاقة الدولة بالحركة النقابية وفي طبيعة القضايا التي كانت مطروحة أمام العمال، وكان وجوده في موقع وزير القوى العاملة والتشغيل بالتوازي مع قيادته النقابية يعطي تجربته خصوصية كبيرة ويضعه أمام مسؤولية مزدوجة بين إدارة ملف العمل من موقع الدولة والحفاظ على الدور النقابي ومصالح العمال، وهذا في حد ذاته كان يحتاج قدرة على الحركة وفهمًا لطبيعة الدولة وأدواتها وفهمًا أيضًا لطبيعة الحركة النقابية واحتياجات العمال.

والأهم أن الريس سعد لم يكن يعمل وسط فراغ نقابي، كان حوله جيل من القيادات النقابية الكبيرة التي كان لها حضورها وخبرتها وشخصيتها، وكانت الحركة العمالية وقتها تضم قيادات يعرفها العمال ويعرفون مواقفها، وكان للنقابي مكانة واحترام، وكانت هناك مدارس مختلفة في التفكير والممارسة، لكن يجمعها إحساس قوي بقيمة العمل النقابي وبقيمة التنظيم وبالدور الوطني للعامل والنقابي.

ولذلك لا يصح أن نقرأ الريس سعد منفصلًا عن هذا الجيل، فالقيادة في ذلك الزمن كانت مسؤولية وسط قيادات قوية وشخصيات لها تاريخ، وكان على رئيس الاتحاد أن يدير اختلافات وتوازنات، وأن يحافظ على وحدة التنظيم، وأن يتعامل مع الدولة، وأن يكون موجودًا في القضايا الوطنية والعربية، وأن يحافظ في الوقت نفسه على مصالح العمال.

وكانت الدولة المركزية في ذلك الوقت لها حضور واسع، وكانت مساحة الحركة العامة مختلفة عن اليوم، وكانت الظروف الاقتصادية تحمل أعباء وتحديات على العمال وعلى المجتمع كله، ولذلك فإن تقييم تجربة الريس سعد يحتاج إلى فهم دقيق للحدود التي كانت تتحرك داخلها القيادة النقابية في ذلك الزمن.

ومن الظلم أن نحاكم تلك التجربة فقط بمعايير الحاضر، كما أنه من الظلم أيضًا أن ننظر إلى الماضي بعين التقديس لمجرد أنه ماضٍ.

القراءة المنصفة هي أن نضع الرجل في زمانه ونفهم الظروف التي أحاطت به ونقرأ مواقفه في ضوء القضايا التي كانت مطروحة وقتها، ثم ننظر إلى ما تركه وراءه، وهنا نصل إلى الفرق بين تاريخ القيادة وإرث القيادة.

تاريخ الريس سعد واضح وممتد ومليء بالمحطات، رئيسًا للاتحاد ووزيرًا للقوى العاملة وشخصية كانت موجودة في قلب مرحلة وطنية وعربية وسياسية شديدة الحساسية، لكن الإرث هو السؤال الأصعب.

ماذا بقي من تجربته في ذاكرة الحركة النقابية؟ ماذا بقي من رؤيته ومن أسلوبه ومن علاقته بالقيادات التي عاصرته؟ ماذا بقي من المرحلة التي كان واحدًا من رموزها؟ وماذا يمكن للأجيال الجديدة أن تتعلمه من تجربة رجل عاش زمنًا كانت فيه القيادة النقابية مسؤولية ثقيلة وليست مجرد لقب؟

وهنا أيضًا يجب أن نعطي الرجل حقه، فليس كل إرث يقاس بمشروع يحمل اسم صاحبه أو قرار مكتوب في وثيقة، هناك إرث تصنعه المواقف، وهناك إرث تصنعه العلاقات، وهناك إرث تصنعه الخبرة، وهناك إرث يبقى في ذاكرة الناس الذين عاصروا القائد وعرفوا شخصيته وطريقته ومواقفه.

والريس سعد كان جزءًا من جيل ترك بصمته في الحركة العمالية المصرية في مرحلة كانت فيها القضايا الوطنية والعربية والسياسية حاضرة بقوة، وكان فيها النقابي مطالبًا بأن يكون عاملًا ومناضلًا في قضايا العمال، وفي الوقت نفسه واعيًا بقضايا وطنه وأمته، ولذلك فإن إنصاف الريس سعد لا يكون بترديد المناصب التي شغلها فقط ولا بتحويل تجربته إلى صورة مثالية لا تقبل النقاش، إنصافه الحقيقي يكون بأن نقرأ تجربته كاملة، ونضع إنجازاته في مكانها، ونفهم ظروفه، ونعرف حجم المسؤولية التي تحملها، ونضعه وسط الجيل النقابي الذي عاصره، ثم نسأل السؤال الذي يبقى بعد كل القيادات:

ماذا ترك الريس سعد؟ لأن التاريخ يحفظ الاسم والمنصب والتاريخ الزمني، لكن الإرث هو ما يبقى في الذاكرة وما يمكن أن تتعلم منه الأجيال، وفي النهاية الريس سعد محمد أحمد لم يكن مجرد رئيس اتحاد سابق.

كان ابن مرحلة وواحدًا من رموزها وشاهدًا على تحولات مهمة في تاريخ مصر والحركة النقابية، ومهما اختلفت الرؤى حول بعض مواقفه أو تقييم بعض مراحل تجربته فإن مكانته لا تختزل في قرار ولا في منصب ولا في فترة زمنية، فبعض الشخصيات لا يكون تاريخها مجرد صفحات في الماضي، لكنها تصبح جزءًا من ذاكرة مرحلة كاملة.

وهنا تكمن قيمة الحديث عن الريس سعد، ليس فقط لكي نعرف ماذا فعل، ولكن لكي نفهم كيف كانت القيادة النقابية في ذلك الزمن، وكيف كان جيل من القيادات يتعامل مع قضايا العمال والوطن والأمة، وماذا يمكن أن يبقى من هذه التجربة للأجيال القادمة.

وللحديث بقية…

بقلم: عبدالمنعم الجمل

رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر

زر الذهاب إلى الأعلى