آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: العيش البايت والتريند الطازج.. مبروك للدراما المفبركة

في نفس اللحظة اللي كانت فيها “دينا عزت” بدموع “اللوكيشن” تلطم: «خدوا جوزي وهو بيجيب العيش!».

والحقيقة المرة.. إن العيش ده كان محبوس في التجديد من شهرين (محضر مخدرات مؤرخ 26 يوليو)، ومشهد “اقتحموا بيتي وخدوا دهبي” نزل متسخن في الميكروويف بعدين!

مبروك للدراما.. أول رغيف في العالم يتحبس قبل ما يشتري دقيق، وأول دموعة نازلة ببطارية صيني.
والفرق بين التاريخين؟ هو الفرق بين “واقعة” حصلت في البوليس، و”مسرحية” استنت ميعاد العرض لحد ما لقت جمهور.

من الآخر، وقبل أي حاجة تانية: الداخلية قالت إن جوز الست اتضبط في 26 يوليو متلبس بتعاطي مخدرات، مش لرفضه يدفع لحد. وقالت إن الفحص أثبت عدم صحة كل حكاية الاقتحام والدهب والفلوس. وبعدها اتقبض على الست بتهمة نشر مقاطع مضللة. يعني اللي عندنا رسميا: فيديو الاتهام غير صحيح حسب التحقيق، مش “غير مؤكد”، ومش “فيه وجهتين نظر” – ده الموقف الرسمي المعلن، والست دلوقتي في موقف من يثبت العكس، مش العكس.

بائع الحلاوة عند العتبة بيلعن أبو الكاميرا اللي حولت أم إبراهيم لمخرجة أوسكار وهي بتلطم الخدين. موبايل تاني جنبه شغال على نفس المشهد بالظبط، بس بطلة مختلفة، وست بتصرخ: “اقتحموا بيتي.. خدوا دهبي!” اتنين دمعة، وسوق واحد بيشتري الاتنين بنفس السعر: التصديق الفوري، من غير فاتورة ولا إيصال.

عم بلال -صاحب قهوة “السعادة الوهمية”- بينفخ دخان الشيشة: “دي شبه خالد سعيد بالظبط!”
مراد أفندي بيرد من غير ما يرفع نظره من الجريدة: “خالد سعيد جثة يا عم بلال. جثة اتصورت في المشرحة، وصورها اللي فضحت التعذيب طلعت على صفحة “كلنا خالد سعيد” وقلبت البلد. ومجدي مكين نفس الحكاية: جثة، تقرير طب شرعي أثبت آثار تعذيب، وحكم قضائي بالسجن ثلاث سنين على أميني شرطة في إعادة المحاكمة. إنت بتحط جثتين حقيقيتين جنب فيديو بيان الداخلية نفسه بيقول إنه مكذوب. ده مش تضامن يا عم بلال، ده نصب على ذاكرة اللي ماتوا فعلا.”

عم بلال بيسكت لحظة، وبعدين بيسأل بصوت واطي: “طب هو أنا غلطان أزعل؟”
“لأ، إنت غلطان تزعل من الحاجة الغلط.”

خليني أكون واضح، من غير لف: بيان الداخلية قال إن جوز الست اتضبط متلبسا بالمخدرات، مش لأنه رفض يدفع لحد. وقال إن الفحص أثبت عدم صحة كل تفاصيل الاقتحام والدهب والفلوس اللي في الفيديو. وبعدها اتقبض على الست نفسها بتهمة نشر معلومات مضللة. ده مش “رأي شخصي مني”، ده نص البيان الرسمي المعلن. يعني اللي بيقول “الفيديو ممكن يبقى صح” بعد كل ده، إما مسموعش البيان، أو سامعه ومش عايز يسمعه.

وهنا بالظبط الفخ اللي وقع فيه كل مقال دافع عن الشرطة من قبل كده: إنه يتحول لأغنية وطنية بلا كلمات نقد، فيبقى “تطبيل” بمعنى الكلمة. فخليني أقولها زي ما هي: فيه ضباط وأمناء شرطة غلطوا فعلا، وفيه قضايا بجثث وتقارير طب شرعي وأحكام قضائية بتثبت كده – مجدي مكين مش دعاية، ده حكم محكمة. الجهاز مش معصوم، ومحدش بيطلب مننا نصدق إنه معصوم. اللي بيتطلب هو حاجة أبسط: إننا نفرق بين قضية اتحاكمت وثبتت، وبين فيديو لسه ما اتحاكمش، وطلع بالتحقيق إنه مكذوب. المساواة بين الاتنين مش حياد، دي كسل بيلبس عباءة الشجاعة.

سعيد عافية -بائع الكبدة- بيلوح بسكينة التقطيع: “الظابط اللي واقف ساعتين تحت المطر عشان بنتي تعدي الطريق الصبح، مالوش زعيم يعمله تريند. إنما أي حد يغلط، بيبقى بطل الأوسكار لأسبوع.”
الحاج صابر بيهز راسه وهو بينضف إناء نحاسي قديم: “وده الوجع الحقيقي يا سعيد. الناس بتفتكر الشرطة كل ما تشوف غلطة، وبتنساها كل ما تعدي بسلام.”
لحظة صمت قصيرة، أصدق من كل الترند اللي فات.

نظمي -مولع التريندات-: “يعني بتدافع عن الداخلية!”
مراد أفندي: “لأ يا نظمي. أنا بدافع عن الفرق بين جثة خالد سعيد وبين فيديو بيان الداخلية بيقول عليه إنه كدب. اللي بيدافع عن الكدب وهو عارف إنه كدب، هو اللي بيدافع عن حد – مش أنا.”

دكتور فلفل بيعدل نظارته: “المشهد ده بيفكرنا بمعارك الكهف، والإسقاط هنا كوني!”
مراد أفندي، من غير ما يبطئ: “مفيش كهف يا دكتور، فيه بائع متجول وكيس شبهة. انزل بينا ع الأرض شوية.”

عبدة مشتاق بيفتح خطوط الهاتف بحماس رجل إطفاء بيطفي حريق مصور من الأول: “معايا خبير أمني، وخبير اجتماعي، وخبير هيدرات بشرة!” – وهو نفسه اللي امبارح كان بنفس الحماس بيحلل طلاق فنانة محدش فاكرها. الأزمة عنده مش حدث، الأزمة موسم، وموسم الفيديو ده هيخلص الأسبوع الجاي، ويسيب وراه: ست في الحبس، وجواز اتفضح قدام البلد كلها، وضابط اتشتم في التريند من غير ما حد يعرف اسمه أصلا أو يسمع دفاعه.
سميح لقطة بيعدل حامل الهاتف: “صرخي كمان، اللي ميجيبش شير ميسواش تذكرة أتوبيس.” والتذكرة دي بيدفع تمنها ناس تانية غير سميح، بسمعتهم مش بفلوسهم.

عنتر -هاوي البطولات الافتراضية-: “أطالب بتحويل القسم لمسرح عرائس!”
سيد الحطاب: “يا عنتر، اللي بيتعاطى مخدرات مش ثائر، وده مش معناه إننا نصدق كل حد اتقبض عليه مظلوم. النيابة موجودة عشان كده بالظبط، مش عشانك إنت وموبايلك.”

توكتوك أصفر واقف في الزحام، والسواق بيربت على زجاج موبايل مفتوح على لايف. الوجع مش في الدمعة اللي بتلمع على الشاشة، الوجع إن التاريخ اتكتب بجثث وتقارير طب شرعي وأحكام قضائية، والحاضر بقى بيتكتب بفلاش موبايل وبيان مطبعة – وإحنا بنحط الاتنين في ملف واحد عشان كسلانين نفتح الملفين صح.

القهوة قفلت. عم صابر لسه واقف عند الباب، شايل مقشة، مش عارف يفرح ولا يزعل، لأن محدش سأله رأيه أصلا – ومحدش سأل رأي النيابة كمان، لحد ما هي نفسها اتكلمت.

خالد سعيد كان جثة قبل ما يبقى قضية. الفيديو ده كان “قضية” قبل ما يبقى تحقيق. والفرق بين الاتنين هو اللي بيفرق بين الحقيقة والتريند.

يوسف عبداللطيف يكتب: العيش البايت والتريند الطازج.. مبروك للدراما المفبركة

زر الذهاب إلى الأعلى