تحقيقات و ملفات

رشا خالد : الملكية الفكرية محرك اقتصادي وتنموي لحماية ابتكارات المستقبل وحقوق المبدعين البشريين

لابد من وضع حدود لأبحاث الذكاء الاصطناعي..اتمني تحويل جهاز الملكية الفكرية لـ وزارة

حوار- د.فتحي عامر

في وقتٍ يمر فيه العالم بتحولات تكنولوجية متسارعة، بات الذكاء الاصطناعي شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل البشرية، وتحديداً في القطاع الصحي؛ حيث تُسهم الخوارزميات الذكية اليوم في تشخيص الأمراض، وتطوير العقاقير الطبية، وإدارة البيانات الصحية بدقة غير مسبوقة.

ومع هذا التطور الهائل، برزت على السطح إشكاليات قانونية وتشريعية معقدة تتعلق بكيفية حماية هذه الابتكارات الرقمية، وضمان عدم المساس بالحقوق الإنسانية الأساسية في العلاج.هذه القضايا الشائكة كانت المحور الرئيسي الذي دارت حوله نقاشات المؤتمر العربي الخامس للملكية الفكرية، الذي احتضنته القاهرة مؤخراً تحت عنوان «أثر حماية حقوق الملكية الفكرية على القطاع الصحي في عصر الذكاء الاصطناعي».

المؤتمر الذي نظّمته المنظمة العربية للتنمية الإدارية بالتعاون مع جمعية الإمارات للملكية الفكرية والجامعة المصرية اليابانية، شكّل منصة استثنائية لتبادل الرؤى بين خبراء القانون، وصناع القرار، ورواد التكنولوجيا الطبية في العالم العربي.

وعلى هامش هذا الحدث البارز، كان لنا هذا اللقاء الخاص والحصري مع قامة قانونية رفيعة المستوى، المحامية رشا خالد، مستشارة الملكية الفكرية، والتي تعد واحدة من أبرز الأصوات القانونية المنادية بتحديث التشريعات العربية لتواكب الطفرة الرقمية. تمتلك رشا خالد رؤية عميقة تجمع بين صرامة النص القانوني ومرونة العصر الرقمي، ولها إسهامات مشهودة في صياغة استراتيجيات حماية براءات الاختراع والابتكارات التكنولوجية.

في هذا الحوار لـ بوابة العمال، تفتح لنا رشا خالد قلبها وعقلها، لتجيب عن الأسئلة الصعبة التي تشغل بال المبتكرين والمؤسسات الصحية على حد سواء: كيف يمكن للقانون أن يحمي ابتكاراً أنتجه ذكاء اصطناعي؟ أين يقف المشرّع العربي من تنظيم ملكية البيانات الطبية الضخمة؟

وكيف يمكننا تحقيق تلك المعادلة الصعبة بين حماية الحقوق الحصرية للشركات والمبتكرين، وضمان حق المريض العربي في الوصول إلى دواء آمن ومبتكر وبسعر عادل؟نبحّر مع ضيفتنا في تفاصيل المشهد القانوني الحالي، ونستشرف معها ملامح الاستراتيجيات المستقبلية التي خرج بها مؤتمر القاهرة.. فإلى تفاصيل الحوار:

س: انطلق مؤتمر الملكية الفكرية في نسخته الخامسة من أرضية دولية لبحث مواكبة الطفرة الرقمية؛ كيف ترون التوجهات والآليات الدولية الحالية في تعديل الاتفاقيات العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي كعنصر مبتكر في القطاع الصحي؟
ج: التوجهات الدولية الحالية تمر بمرحلة مخاض تشريعي حاسم؛ فالمنظمات العالمية تعيد النظر في الاتفاقيات الأساسية لمواجهة التحدي الأكبر حول مدى تحقق “الخطوة الابتكارية” و”شرط الجدة” عندما تقدم الأنظمة الذكية مركباً دوائياً، وإشكالية مدى جواز اعتبار الذكاء الاصطناعي مخترعاً. التوجه الدولي يميل حتى الآن إلى قصر صفة المخترع على البشر، لكن الآليات تتطور بسرعة للاستفادة من الخبرات والتطبيقات القضائية العالمية – كالتجربة الأمريكية واليابانية – لمعالجة الإشكاليات القانونية المرتبطة باستغلال البيانات الصحية في تدريب الخوارزميات، وتحديد المسؤولية القانونية بين المطورين والمستخدمين، بما يضمن حماية البرمجيات وتشجيع الاستثمارات المليارية في الرعاية الصحية الرقمية.
س: بالانتقال من الساحة الدولية إلى الإقليمية؛ كيف يمكن للدول العربية مواءمة تشريعاتها الوطنية مع هذه الاتفاقيات الدولية في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية بالقطاع الصحي؟
ج: المواءمة تتطلب تحديثاً شاملاً للتشريعات العربية وصياغة استراتيجيات قانونية تستوعب تطورات الذكاء الاصطناعي في الطب. لا يعني ذلك النقل الأعمى للنصوص، بل توطينها بمرونة تسمح بوضع أطر لحسم الجدل حول الابتكارات المكتشفة عبر البرمجيات، وضمان تكامل القوانين والطب عبر تعزيز التعاون بين الجهات التشريعية والمؤسسات الصحية. الهدف هو صياغة مقاربة متوازنة تضمن الالتزام بالمعايير الدولية، وفي الوقت ذاته تحمي الأمن الصحي والدوائي القومي عبر أطر تشريعية وطنية مرنة واستباقية.
س: ركزت نقاشات المؤتمر على أهمية الثقافة القانونية؛ ما هي الرؤية المطروحة لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية حماية الملكية الفكرية بين صناع السياسات، الباحثين، والشركات العاملة في القطاع الصحي؟
ج: تعزيز الوعي هو حجر الأساس لبناء بيئة تشريعية جاذبة؛ فبالنسبة لصناع السياسات والعامة، يجب ترسيخ مفهوم أن الملكية الفكرية هي محرك اقتصادي وتنموي لحماية ابتكارات المستقبل وليست عائقاً تنظيماً. أما الباحثون فيجب توعيتهم بآليات صيانة نتاجهم الفكري وتدريب الخوارزميات بطرق مشروعة قبل النشر. وبدوره، يتعين على الشركات الطبية إدراك أن حماية الأصول الفكرية والبيانات البيولوجية هي الضامن الاستثماري الوحيد لاستمرارها وقدرتها على التنافسية في ظل التحولات الهيكلية التي تفرضها تقنيات الرعاية الصحية واكتشاف العقاقير.
س: كيف يمكن التعامل مع تلك المعادلة الصعبة بين حماية أرباح المبتكرين وتشجيع الاستثمارات الطبية الرقمية، وضمان حق المرضى والمجتمعات في الوصول إلى العلاج بأسعار عادلة؟
ج: الحل يكمن في بلورة أطر تنظيمية تتلاءم مع المستجدات التقنية العابرة للحدود عبر تفعيل “المرونات القانونية”. ركز المؤتمر على أصل هذا التوازن من خلال تطوير قوانين وآليات “الترخيص المدعوم”، وتسهيل وتوسيع نطاق نقل التكنولوجيا الحديثة والخبرات إلى المؤسسات الصحية الإقليمية والبلدان النامية. هذا التوجه يضمن الاستفادة السريعة من الطفرات الطبية والتقنية دون إرهاق كاهل المنظومات الصحية محدودة الموارد، ويحد من الاحتكار غير المسوغ، ويكافئ المبتكرين عدالةً دون المساس بحق الإنسان الأساسي في الحصول على دواء آمن وبسعر عادل.
س.لمواجهة التحدي الأكبر: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسجَّل كـ “مخترع”؟
ج.التوجه الدولي يميل حتى الآن إلى قصر صفة المخترع على البشر، لكن الآليات الدولية تتطور بسرعة للاعتراف بالأنظمة الذكية كأدوات مساعدة تستحق البرمجيات الخوارزمية الخاصة بها حماية صارمة، بهدف تشجيع الاستثمارات المليارية في قطاع الرعاية الصحية الرقمية.
.. س: بالانتقال من الساحة الدولية إلى الإقليمية؛ كيف يمكن للدول العربية مواءمة تشريعاتها الوطنية مع هذه الاتفاقيات الدولية، بما يضمن حماية ابتكارات القطاع الصحي دون المساس بسيادتها أو أمنها الدوائي؟
ج: المواءمة لا تعني النقل الأعمى للنصوص، بل تعني “التوطين الذكي”. على المشرّع الوطني صياغة قوانين مرنة تستفيد من الاستثناءات والمروءات التي تتيحها الاتفاقيات الدولية (مثل ترخيص الاستخدام الإجباري في الأزمات الصحية). يجب أن توفر القوانين المحلية بيئة جاذبة لبراءات الاختراع الطبية القائمة على الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه، تضع أُطراً صارمة لحماية “بيانات المرضى وضخامتها” باعتبارها أمنًا قوميًا، وبذلك نحقق التوازن بين الالتزام الدولي والمصلحة الوطنية.
س: خرج المؤتمر بتوصيات هامة حول نشر الثقافة القانونية؛ ما هي رؤيتكم لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الملكية الفكرية بين صناع السياسات، الباحثين، والشركات الطبية؟
ج: الوعي هو خط الدفاع الأول عن الابتكار. بالنسبة لصناع السياسات، يجب إدراك أن الملكية الفكرية محرك اقتصادي وليست عبئاً تنظيماً. أما الباحثون في المجال الطبي، فمن الضروري تدريبهم على كيفية تحويل أبحاثهم المعملية إلى براءات اختراع مسجلة قبل نشرها علمياً لحمايتها من السطو. وأخيراً، على الشركات الطبية أن تعي أن الاستثمار في بناء محفظة ملكية فكرية قوية هو الضامن الوحيد لاستمرارها وقدرتها على المنافسة في عصر لا يرحم التقليد.
س: بالنظر إلى الرؤى التي طرحتِها خلال أعمال المؤتمر، ما هي أبرز التوصيات التي تقدمتِ بها لتطوير البنية التشريعية والتنظيمية؟
ج.لمواكبة طفرة الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي؟ج: قدمتُ حزمة من التوصيات الاستراتيجية التي تركز على ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها التشريعات والأطر التنظيمية، حيث شددتُ على حتمية تطوير أطر تشريعية متوازنة تستوعب ابتكارات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، مع وضع ضوابط قانونية صارمة لضبط مخرجات الأنظمة الذكية، وتحديد المسؤوليات المدنية والجنائية بدقة للعنصر البشري المشغل لها.أما المسار الثاني فيتعلق بـ إدارة البيانات وحماية الخصوصية، إذ أوصيتُ بوضع قواعد مرنة تحكم استخدام البيانات الصحية لتحقيق توازن حقيقي بين دعم البحث العلمي الطبي وصيانة خصوصية المرضى، بالتوازي مع بناء سياسات متكاملة لحماية الأصول الرقمية والموارد الوراثية الحيوية المستخدمة في صناعة الدواء.وختاماً، ركز المسار الثالث على بناء القدرات والتعاون المشترك، من خلال الدعوة لإطلاق برامج عربية موحدة لنقل وتوطين التكنولوجيا، وتكثيف التدريب المتخصص للعاملين في القطاعين القانوني والصحي، فضلاً عن دراسة مقترح إنشاء منصة عربية موحدة لتبادل الخبرات والممارسات القضائية الناجحة بين الدول الأعضاء
س: من وجهة نظرك ..تشكل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية واحدة من أعقد الإشكاليات القانونية المعاصرة؛ أين تكمن جذور هذه الأزمة تحديداً، وما هو موقف القانونين الدولي والمصري منها؟
ج: الإشكالية تتلخص في محورين؛ الأول هو مرحلة التدريب، حيث تُغَذّى النماذج بمليارات النصوص والصور المحمية دون إذن مؤلفيها أو تعويضهم، مما يثير قضايا انتهاك واسعة. والثاني هو المخرجات، إذ ترفض القوانين الحالية (كقواعد الويبو وقانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002) منح براءات اختراع أو حقوق مؤلف للأنظمة الذكية، لكون “الابتكار” صفة لصيقة بالأشخاص الطبيعيين فقط، وبذلك تدخل المخرجات الآلية البحتة مباشرة في النطاق العام. هذا الفراغ يُصعّب تحديد المسؤولية القانونية، ويهدد حقوق المبدعين البشريين اقتصادياً أمام التدفق الهائل للمحتوى الاصطناعي، مما يتطلب قوانين مرنة توازن بين تشجيع التكنولوجيا وحماية الإبداع البشري.
س: هل تحولت هذه الإشكاليات النظرية إلى نزاعات واقعية في ساحات القضاء؟ وما هي أشهر القضايا الدولية التي رسمت ملامح هذه المعركة؟
ج: نعم، شهدت المحاكم الدولية معارك قضائية كبرى كشفت حجم الأزمة، ومن أبرزها قضية صحيفة نيويورك تايمز ضد
OpenAI
ومايكروسوفت، حيث اتهمتهم الصحيفة باستخدام ملايين المقالات لتدريب روبوت
(ChatGPT)
دون إذن، معتبرة ذلك منافسة غير عادلة. وفي عالم الفنون، برزت قضية وكالة
Getty Images
ضد شركة
Stability AI
بتهمة نسخ أكثر من 12 مليون صورة محمية لتدريب نموذج
(Stable Diffusion).
أما في قطاع البرمجيات، فتحركت دعوى جماعية للمبرمجين ضد
GitHub Copilot
بتهمة النسخ المباشر لأكواد مفتوحة المصدر دون الالتزام برخص استخدامها أو الإشارة لمبدعيها
س: بالنظر إلى هذه النزاعات ومخرجات مؤتمر القاهرة 2026، كيف يتعامل “الجهاز المصري للملكية الفكرية” مع هذه المعطيات مستقبلاً؟ وهل دوره فعل حاليا برأيك؟
.. ج: الجهاز المصري للملكية الفكرية يركز حالياً – تماشياً مع توصيات مؤتمر القاهرة الأخير – على دراسة “الأثر البشري”. الرؤية الجديدة تقوم على تفكيك المشهد: فإذا استخدم الإنسان الذكاء الاصطناعي مجرد كـ “أداة مساعدة” وكان التدخل والتوجيه البشري حاسماً في التعديل والابتكار، يمكن للجهاز والمحاكم بحث إمكانية حمايتها، بخلاف المخرجات الآلية البحتة التي لا يد للبشر فيها. الهدف هو صياغة معايير وطنية تقيس “نسبة الإسهام البشري” لمنح الحماية للمنتج النهائي بصفته عملاً مشتركاً بين الإنسان والأداة. كما ان الذكاء الاصطناعي لن يلغي وظيفة المحامي او المهندس او الطبيب وانما سيكون فقط مساعد لهم في كل الاحوال .كما ان هناك من طالب بوقف ابحاث الذكاء الاصطناعي والحد منها لخطورتها علي البشرية .
س: أين يتجه المشهد التشريعي إذن؟ وما هي أبرز السيناريوهات المتوقعة مستقبلاً محلياً ودولياً لتنظيم هذا القطاع؟
.ج. تتحرك المنظمات الدولية والجهاز المصري نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ أولها تطبيق نظام “حقوق المجاورة” أو التراخيص الإلزامية، شبهاً بحقوق البث الموسيقي، بحيث تدفع شركات التكنولوجيا اشتراكاً سنوياً لصالح صندوق يدعم المبدعين والناشرين البشريين. والسيناريو الثاني هو إلزامية “الشفافية الكاملة”، عبر إجبار الشركات على تقديم سجل علني بكل البيانات المستخدمة في التدريب لتمكين أصحاب الحقوق من الملاحقة القضائية. أما السيناريو الثالث فهو شروط الحماية الهجينة التي تفصل بين الجهد الذهني البشري الفعلي في توجيه الآلة وبين المحتوى الآلي الصِرف، وهو التوجه الأقرب للتطبيق في مصر والدول العربية.
س: بالحديث عن الآليات التنفيذية داخل مصر، ما هي رؤيتكم لتطوير “الجهاز المصري للملكية الفكرية” لتعزيز مكانة مصر على الخارطة التكنولوجية والابتكارية الدولية؟ وهل دوره فاعل كما ترين؟
ج: لتطوير الجهاز ورفع كفاءته، يجب التركيز الفوري على مسارين تنفيذيين؛ الأول هو تحديث ودقة البيانات، من خلال تفعيل دور اللجان المركزية بالتنسيق الوثيق مع مركز معلومات مجلس الوزراء لرفع كفاءة وجودة البيانات المرسلة إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية
(WIPO)،
مما ينعكس إيجاباً وبشكل مباشر على ترتيب مصر في مؤشر الابتكار العالمي ويعكس حجم الجهد الفعلي المبذول.
أما المسار الثاني فيتمثل في توسيع التدريب والوعي، عبر التوسع في نشر الثقافة القانونية للملكية الفكرية من خلال تنظيم دورات تدريبية متخصصة (مثل الدورات المجانية التي تُعقد بالتعاون مع
WIPO)،
بهدف تشجيع الباحثين والمبتكرين في الجامعات والمراكز البحثية على تسجيل ابتكاراتهم رسمياً، وحمايتها قانونياً، ومن ثمّ عرضها تجارياً واستثمارياً بدلاً من بقائها حبيسة الأدراج. واري ان دوره حاليا غير فاعل واتمني ان يتحول الي وزارة حتي يكون له فعالية وتأثير مثل جهاز حماية المستهلك صاحب الاداء الضعيف والذي لابد ان يكون له فعالية علي ارض الواقع .
س :وهل تستخدمين الذكاء الاصطناعي في عملكم الحالي بشكل كلي ؟
ج.لا نستخدم الذكاء الاصطناعي في عملنا بشكل كلي بل يتم الاعتماد علي برامج يتم اعداها بانفسنا واستخدمها وفق احتياجاتنا العملية فقط ونسعي الي تطوير هذه البرامج من عام الي اخر لتواكب التطورات في مجال العمل .

زر الذهاب إلى الأعلى