آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: قانون الأحوال الشخصية.. “دستور مودة” ام “مقصلة” لتصفية الحسابات؟

نحن لا نكتب اليوم عن نصوص قانونية جافة، بل ننكأ جراحا تعفنت تحت ضمادة “الصمت المجتمعي”، إن ما يحدث في بيوت المصريين خلف الأبواب الموصدة ليس مجرد “خلافات أسرية”، بل هو حرب استنزاف باردة، وقودها كرامة الرجل، وحياة المرأة، ومستقبل جيل كامل يتم ذبحه بسكين “العناد التشريعي”، لقد تحول قانون الأحوال الشخصية من “دستور للمودة” إلى “مذكرة إحضار” في نيابة النكاية

ومن “ميثاق غليظ” إلى “ثغرة قانونية” يطعن بها الشريك شريكه في مقتل، الصمت هنا لم يعد فضيلة، بل أصبح اشتراكا في جريمة اغتيال الأسرة المصرية تحت رعاية نصوص أكل عليها الدهر وشرب، آن الأوان أن ننزع القناع عن “المسكوت عنه” في أدبياتنا السياسية والاجتماعية، نحن لا نتحدث عن مجرد “قانون”، بل نتحدث عن “مقصلة” نصبت منذ عقود

تحت مسميات عدة، لتستقر في النهاية داخل غرف النوم وصالات المعيشة، محولة الرباط المقدس إلى “عقد إذعان” وساحة لتصفية الحسابات التاريخية، لقد ظل قانون الأحوال الشخصية في مصر أسيرا لعقليات تجاوزها الزمن، حيث اعتمدنا على منظومة تشريعية استهلكت في “الترقيع” منذ عشرينات القرن الماضي، هذا “التاريخ الأسود” ليس مجرد حبر على ورق

بل هو صرخات في أروقة المحاكم، وسنوات ضائعة من عمر أطفال تحولوا إلى “رهائن” في حروب النفقة والرؤية، نحن أمام قانون فشل في أن يكون “إنسانيا” قبل أن يكون “قانونيا”، إن الكارثة الكبرى في هذا القانون هي تحوله من أداة لإحقاق العدل إلى “سلاح دمار شامل” في المعارك الشخصية، نحن لا نواجه نصوصا قانونية فحسب، بل نواجه منظومة تغذي روح الانتقام، حيث تتحول النفقة إلى معركة “كسر عظم”، وتتحول الرؤية إلى “ماتش كورة” يسعى فيه كل طرف لإحراز هدف في كرامة الآخر.

الحقيقة المرة أن المجتمع المصري سبق القانون بسنوات ضوئية، فبينما تغيرت الأدوار والضغوط الاقتصادية، لا يزال القانون واقفا في “نقطة قديمة” يحاول حكم واقع معقد
بعقلية العصور الغابرة، وهذا هو منتهى الظلم الصامت، المجتمع بين “سندان” العرف و”مطرقة” النص، فإن مأساة هذا القانون تكمن في أنه خلق “دولة داخل الدولة”، فبينما كانت الدولة المصرية تتحرك نحو الحداثة والرقمنة، ظل قانون الأحوال الشخصية يجرنا إلى الخلف بآليات عقيمة تعلي من شأن الصراع على حساب السكن والمودة

بيت الطاعة، وصمة عار في جبين الإنسانية تم تجاوزها ظاهريا وبقيت روحا في نصوص أخرى، الرؤية والاستضافة، ثغرات حولت الآباء إلى “غرباء” والأمهات إلى “مقاتلات” في معركة خاسرة للجميع، الذمة المالية، التي ضاعت وسط ضبابية النصوص، لتخرج المرأة بعد عقود من الكفاح ب “لا شيء”، الخطيئة الكبرى، تسييس الأسرة.

إن أخطر ما واجهناه في هذا الملف هو “تسييس” وجع الناس، لقد استخدمت القوانين عبر عقود كأدوات للترضية الاجتماعية أو الدينية، دون النظر إلى “جوهر الأسرة” الذي يتآكل، نحن اليوم لا نحتاج إلى “تعديل مادة” أو “إضافة بند”، نحن بحاجة إلى “ثورة تشريعية” تقتلع جذور هذا التاريخ الأسود وتضع “الطفل” في قلب القانون لا في ذيله، علينا أن نعترف بشجاعة أن الأزمة ليست في “حقوق الرجل” ضد “حقوق المرأة”، فهذا صراع وهمي يستنزف طاقة المجتمع، الأزمة الحقيقية هي “أزمة رؤية” جعلت الطفل هو الضحية الوحيدة التي لا صوت لها في قاعات المحاكم، إن أي قانون لا يضع مصلحة الطفل كأولوية مطلقة، هو قانون يورث المأساة للأجيال القادمة.

العدالة ليست في أن ينتصر طرف ويهزم الآخر، بل في أن يخرج المجتمع آمنا من زلزال الانفصال، نحن لا نحتاج لمسكنات، بل نحتاج لإعادة بناء المنظومة من الصفر قبل أن نتحول جميعا إلى أرقام في ملفات قضائية لا تنتهي، الرسالة الأخيرة، لمن يهمه الأمر، إن من يظن أن استقرار الوطن يبدأ من الاقتصاد أو السياسة الخارجية فقط، فهو وأهم.

الاستقرار يبدأ من “البيت”، وقانون أحوال شخصية عادل هو “الأمن القومي الحقيقي”، لن نقبل بغير قانون ينهي عصر “المكايدة القانونية”، ويغلق أبواب المحاكم التي تحولت إلى “مقابر” للمستقبل، إن المعركة اليوم ليست بين رجل يطالب بحق، أو امرأة تستغيث من ظلم، المعركة الحقيقية هي ضد “تأميم المستقبل” لصالح نصوص متهالكة.

إن التاريخ لن يغفر لكل من وضع يده في جيبه وصمت بينما تهدم أركان الأسرة المصرية تحت مقصلة القانون، إننا لا نطالب بتعديل، بل نطالب ب “إعلان استقلال” للأسرة عن عقلية الجمود، فإما أن ننتصر لآدميتنا ونبني قانونا يليق بمصر الجديدة، وإما أن نستعد لاستقبال جيل مشوه نفسيا، سيلعن يوما كنا فيه نملك القرار واخترنا الصمت.

القضية لم تعد “تريند” عابر، بل هي “الرمق الأخير” لسكينة البيوت، فهل فيكم من يسمع؟ أم أننا نؤذن في مالطا بينما البيوت تحترق؟ كفى متاجرة بمصائرنا، كفى ترقيعا في ثوب مهترئ، نريد قانونا يقرأ المستقبل، لا يحاكي عصور الجواري والعبيد.

يوسف عبداللطيف يكتب: قانون الأحوال الشخصية.. “دستور مودة” ام “مقصلة” لتصفية الحسابات؟

زر الذهاب إلى الأعلى