آراء

ياسر السجان يكتب :القاهرة.. البوصلة التي تتجه إليها العواصم حين تضيق السبل

مصر لم تكن يوما حدودا على خريطة، مصر كانت دائما سدا حين تنكسر السدود، وجسرا حين تنقطع الجسور، وصوتا حين يصمت الجميع، ويدا تمتد حين ترتجف الأيدي.

التاريخ يقول إن العرب حين ضاقت بهم السبل نظروا إلى القاهرة
وحين اهتزت العواصم ثبتت القاهرة، وحين سقطت الرايات بقيت راية مصر، ترفعها من أجل أمة لا من أجل نفسها وتدفع الثمن وحدها ثم تقسم الغنيمة على الجميع ولا تمن على أحد، لأنها تعرف أن الكبير لا يمن، وأن الشقيق لا يحسب.

مصر تدافع عن الوطن العربي حين يكون الخطر على الباب
لا تنتظر دعوة ولا تطلب إذنا تتقدم لأنها تعرف أن النار إذا اشتعلت في دار الجار ستصل إلى دارك إن لم تطفئها، وأن الصمت على كسر جارك هو إذن ضمني بكسرك غدا لهذا تتحرك قبل أن يطلب منها أحد وتتكلم حين يختار غيرها السكوت
وتدفع من دمها ومن قوتها ومن وقتها، ثم تعود إلى بيتها دون ضجيج.

في الحرب كانت مصر في المقدمة وفي السلم كانت مصر في المقدمة وفي المفاوضات كانت مصر في المقدمة، وفي إعادة البناء كانت مصر في المقدمة لا تبحث عن زعامة بل تمارس مسؤولية، ولا تطلب ثمنا بل تدفع الثمن، ولا ترفع شعارا إلا إذا كانت مستعدة أن تموت تحته

العالم اليوم يموج بالفوضى خرائط ترسم من جديد
وحدود تمحى بالحبر وبالنار وشعوب تدفع فاتورة صمتها
وأوطان تباع في سوق النخاسة ووسط هذا الضجيج تقف مصر
تذكر الجميع أن الوطن العربي ليس جملة في بيان، هو دم واحد وتاريخ واحد ومصير واحد، فإذا سقطت عاصمة عربية اهتزت القاهرة وإذا جرحت مدينة عربية نزفت القاهرة، وإذا ضاعت قضية عربية خسرت القاهرة.

مصر لا تدافع بالكلام، تدافع بالفعل تدافع بجيش يعرف أن سلاحه لحماية الشقيق قبل القريب وتدافع بدبلوماسية تعرف أن الكلمة موقف لا مناورة، وتدافع بموقف لا يتبدل مع الريح، وتدافع بظهر لا ينحني ولو اشتدت العاصفة.

البعض يراهن على ضعف مصر ويراهن على انشغالها
ويراهن على أن الإخوة تغيروا لكن التاريخ يضحك من الرهان الخاسر، فكل مرة ظنوا أن مصر تعبت خرجت أقوى وكل مرة قالوا إن مصر انكفأت مدت يدها أبعد وكل مرة كتبوا نعي الدور المصري كتبت مصر سطرا جديدا في كتاب الأمة.

الوطن العربي اليوم يحتاج إلى مصر ومصر تحتاج إلى وعي العرب تحتاج أن يفهم الجميع أن المعركة واحدة، وأن الخطر واحد، وأن المصير واحد، فلا نجاة لعاصمة وحدها، ولا أمان لدولة وحدها،
السفينة واحدة، وإن غرقت غرق الجميع وإن نجت نجونا كلنا.

لهذا تبقى مصر تدافع عن الوطن العربي، لا تطلب شكرا ولا تنتظر تصفيقا، تفعل ما يفعله الكبير يحمي إخوته ولو جرحوه
ويسندهم ولو أداروا له الظهر ويقاتل عنهم ولو قالوا كفى
لأنها تعرف أن التاريخ لا يذكر من وقف من أجل التشفي والفرجة، التاريخ يذكر من وقف يدافع ومصر كانت وستظل درع العرب حين تكسر السيوف وصوت العرب حين تباع الأصوات
وبيت العرب حين تغلق البيوت وهذا قدرها والقدر لا يختار الضعفاء القدر يختار من يقدر عليه ومصر تقدر.

ياسر السجان يكتب :القاهرة.. البوصلة التي تتجه إليها العواصم حين تضيق السبل

زر الذهاب إلى الأعلى