آراء

ياسر السجان يكتب :أعداء من دم واحد

الأقربون أولى بالمعروف هذه حكمة قديمة لكن يبدو أن تحديثات الزمن حولتها إلى الأقربون أولى بالجريمة فصار البيت الذي كان ملجأ وسكن صار مسرح جريمة، وصار الأخ الذي كنا نتقاسم معه رغيف الخبز نتقاسم معه الآن محضر النيابة، وصارت الأسرة التي كانت رباط دم صارت رباط قضية في القسم الأقربون أولى بالجريمة لأن الغريب يحتاج مجهود لكي تصل إليه وتخطط وتدرس وتشتري سلاح.

أما القريب فهو متاح طول الوقت على الكنبة في الصالة يشرب شاي ويقلب في الموبايل ويسألك عن الريموت فلا أسهل من أن تبدأ معه المشكلة من طبق فاصوليا أو من ورث أو من كلمة اتقالت في لحظة غضب فتتحول قعدة العيلة إلى ساحة معركة واللمه إلى لمة شهود النيابة.

صارت أخبارنا اليومية تشبه مسلسل بوليسي لكنه واقعي وببلاش.

ابن يرفع قضية على أمه وأخ يطعن أخاه وزوجة تدس السم في الملوخية وعمة تكتب بلاغ في ابن أخيها لأنه لم يعزمها على فرح بنته.

صار المثل الشعبي الاقارب عقارب وعندهم محامين، الغريب حين يؤذيك تستغرب وتقول لماذا؟

أما القريب حين يؤذيك تقول كنت حاسس لأن القريب يعرف نقاط ضعفك ويعرف متى تنام ومتى تخرج ويعرف كلمة السر بتاعة الواي فاي ويعرف أنك تخاف من القطط فهو يملك كل المعلومات التي تؤهله ليكون مجرما محترفا أو ضحية محترفة حسب الدور الذي اختاره في الحلقة الجديدة من مسلسل العائلة، الأقربون أولى بالجريمة لأن الثقة الزائدة تفتح باب الجريمة على مراعيه.

فأنت تترك مفتاح البيت مع أخيك وتترك كارت الفيزا مع ابنك وتترك أسرارك مع زوجتك وتترك قلبك معهم جميعا ثم تستيقظ لتجد أن البيت اتباع والفيزا فاضية والأسرار في ستوري الواتس والقلب مكسور وعليه محضر إثبات حالة.

صرنا نحتاج إلى كاميرات مراقبة في الصالة وإلى بصمة على الثلاجة وإلى عقد اتفاقية عدم اعتداء قبل الفطار في رمضان وإلى محامي أسرة دائم مثل دكتور الأسرة زمان،لأن الجرائم العائلية صارت موضة الموسم وكل بيت فيه حلقة خاصة وصار طبيعيا أن تسمع في نشرة الأخبار قام مواطن بطعن شقيقه بسبب ريموت التكييف وقامت سيدة برفع قضية خلع على زوجها لأنه أكل آخر قطعة بسبوسة ولم يترك لها شيئا .

نحن لا نسخر من الألم لكننا نسخر من عبثية أن يتحول الحب إلى سكينة وأن يتحول الدم إلى قضية وأن تتحول صلة الرحم إلى صلة رحم في قسم الطوارئ.

الحل ليس أن نقطع أرحامنا بل أن نقطع سلك العصبية وأن نركب فلتر للسان قبل أن يتكلم وأن نتذكر أن الغريب قد يصبح حبيب لكن القريب حين يصبح عدو تكون الخسارة مضاعفة لأنك تخسره وتخسر معه جزءا من عمرك وذكرياتك وصور العيد الأقربون أولى بالمعروف، مازالت حكمة صحيحة لكنها تحتاج إلى حارس شخصي اسمه العقل وإلى قفل اسمه الصبر وإلى مفتاح اسمه التغافل حتى لا يتحول البيت إلى قسم شرطة مصغر وحتى لا نكتب على باب كل شقة تحذير عائلي الرجاء خلع الأحذية وخلع الضغينة قبل الدخول.

ياسر السجان :أعداء من دم واحد

زر الذهاب إلى الأعلى