آراء

يحيى مراد يكتب :النقد البناء ومصلحة الوطن

الإعلام الوطني ليس مجرد وسيلة لنقل الخبر بل هو رسالة وبناء ومسؤولية وهو خط الدفاع الأول عن الوعي وعن الهوية وعن استقرار الدولة خاصة في زمن تتداخل فيه الحروب وتتغير فيه أدوات المواجهة وتصبح الكلمة أخطر من الرصاصة لأنها تشكل العقول وتصنع الرأي العام وتحدد مسار الشعوب.

وفن الإدارة في الإعلام هو القدرة على الجمع بين المهنية والوطنية بين السرعة والدقة بين السبق والحقيقة بين الحرية والمسؤولية وهي معادلة صعبة لا ينجح فيها إلا من يدرك أن الإعلام سلاح ذو حدين وأن إدارته تحتاج إلى رؤية وعلم وخبرة وإيمان بالوطن قبل كل شيء.

إن الإعلام الوطني الحقيقي لا يقوم على الشعارات ولا على الصوت العالي بل يقوم على خطة وعلى إدارة تعرف متى تتكلم ومتى تصمت وتعرف كيف تختار التوقيت واللغة والصورة والضيف وتعرف كيف تواجه الشائعة بالمعلومة وكيف تواجه التضليل بالحقيقة وكيف تواجه الإحباط بالأمل والعمل

وفي أوقات الأزمات يصبح فن الإدارة هو الفارق بين إعلام يبني وإعلام يهدم بين إعلام يوحد الصفوف وإعلام يفتت الجبهة الداخلية بين إعلام يطمئن الناس ويضعهم في الصورة وبين إعلام يثير الفزع ويخلق حالة من الفوضى والارتباك

إن الانحياز للإعلام الوطني ليس تحيزا أعمى ولا دفاعا عن الخطأ بل هو انحياز للحقيقة وللمصلحة العليا للوطن وهو انحياز يفرض على القائمين على الإعلام أن يكونوا على قدر المسؤولية وأن يمتلكوا أدوات العصر من تكنولوجيا وذكاء وسرعة وأن يفهموا طبيعة الجمهور الجديد الذي تغيرت وسائل تلقيه للمعلومة وأصبح يتأثر بالصورة وباللحظة وبالمحتوى القصير والمباشر

وفن الإدارة في الإعلام يبدأ من اختيار الكوادر وتدريبها وتأهيلها ويمتد إلى وضع السياسة التحريرية الواضحة التي تحدد الثوابت وتحترم المتغيرات وإلى بناء غرف أخبار قادرة على الرصد والتحليل والاستباق وإلى امتلاك القدرة على صناعة الرواية الوطنية قبل أن يصنعها غيرنا

إن العالم اليوم يشهد حربا إعلامية مفتوحة تستهدف عقول الشعوب وتستهدف ثقة المواطن في دولته وفي مؤسساته وفي نفسه وهذه الحرب لا تواجه إلا بإعلام وطني محترف يدار بعقل وبحرفية وبانحياز كامل للحقيقة وللوطن

كما أن الإعلام الوطني الناجح هو الذي يفتح مساحات للنقد البناء ويستمع للرأي الآخر ويقدم الحلول ولا يكتفي بعرض المشكلات وهو الذي يسلط الضوء على النماذج المشرفة وعلى الإنجازات وعلى التضحيات التي تقدم كل يوم على أرض الوطن

إن إدارة المؤسسات الإعلامية تحتاج إلى قيادات تؤمن أن الإعلام رسالة قبل أن يكون وظيفة وأن المنصب الإعلامي تكليف قبل أن يكون تشريف وأن كل كلمة تخرج من شاشة أو ميكروفون أو قلم هي أمانة في عنق صاحبها وسيحاسبه عليها التاريخ والناس والضمير

ولذلك فإن دعم الإعلام الوطني وتطويره وتحديث أدواته هو واجب على الدولة وعلى المجتمع لأن الإعلام القوي هو درع للوطن في مواجهة كل محاولات الاختراق والتشويه والتفكيك.

وفي النهاية يبقى الإعلام الوطني هو الذي ينحاز للحق وللعدل وللناس وهو الذي يدرك أن فن الإدارة الحقيقي هو أن تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار وأن تكون جسرا للوعي لا معولا للهدم.

يحيى مراد يكتب :النقد البناء ومصلحة الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى