د. محمد عبدالحميد العوامري يكتب :قائمة المنقولات “سند مديونية”يغتال استقرار الأسرة

قائمة المنقولات الزوجية والمهر الصوري: إشكالية قانونية في ضوء الحماية الدستورية للأسرة
في مجتمعنا المصري، برزت إشكالية تنظيم الحقوق المالية الناشئة عن الزواج بوصفها أحد أهم أسباب تفكيك الأسرة، حيث نشأت ازدواجية قانونية بين ما يُثبت رسميًا في وثيقة الزواج من مهر والتزامات، وما يتم الاتفاق عليه خارجها في صورة عرفية، وعلى رأسها قائمة المنقولات الزوجية.
وقد أفرز هذا الوضع خللًا في البناء التعاقدي للعلاقة الزوجية، إذ يدخل بعض الأزواج الحياة الزوجية محاطين بمخاوف قانونية ومالية سابقة على بدء الحياة المشتركة، فتتكون بذور النزاع منذ اللحظة الأولى، قبل أن تتشكل الأسرة على أسسها الطبيعية.
وفي هذا السياق، تبرز قائمة المنقولات الزوجية باعتبارها ورقة ذات طبيعة قانونية أقرب إلى سند مديونية على الزوج، تترتب عليها آثار مالية مستقلة عن عقد الزواج ذاته.
وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء انفصال بين الرابطة الزوجية من جهة، والالتزامات المالية المرتبطة بها من جهة أخرى، بحيث يمكن أن تنتهي العلاقة الزوجية لأي سبب، بينما تظل الالتزامات الناشئة عن قائمة المنقولات الزوجية قائمة بذاتها، دون ارتباط حقيقي بسبب إنهاء العلاقة أو الطرف المتسبب فيه.
وتكمن الإشكالية في أن هذه الورقة، بصيغتها العملية، تمنح الزوجة أداة قانونية يمكن استخدامها عند انتهاء العلاقة، بغض النظر عن طبيعة هذا الانتهاء أو أسبابه. فإذا نشأ النفور من جانب الزوجة، أو تعذر استمرار الحياة الزوجية بإرادتها، فإن القائمة تبقى مستحقة بوصفها دينًا، وهو ما يترتب عليه اختلال في التوازن العقدي، إذ لا يرتبط الأثر المالي بسبب الفسخ أو إنهاء العلاقة، وإنما يظل قائمًا بشكل مجرد ومنفرد.
ومن منظور دستوري، فإن هذا الوضع يثير تساؤلًا حول مدى توافقه مع مقتضيات المادة (10) من الدستور، التي تقرر أن الأسرة أساس المجتمع، وتُلزم الدولة بالحفاظ على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها.
ومؤدى هذا النص أن المشرّع لا يقف عند حد تنظيم العلاقات، وإنما يلتزم بضبطها على نحو يمنع إنتاج أدوات قانونية تُفضي عمليًا إلى زعزعة الاستقرار الأسري.
وفي إطار المقارنة، يبرز التنظيم القانوني في المملكة العربية السعودية – وفق ما استقر عليه نظام الأحوال الشخصية – بوصفه نموذجًا يقوم على وحدة الالتزام المالي داخل عقد الزواج ذاته، من خلال اعتماد المهر الحقيقي باعتباره الأثر المالي الأصلي للعقد، دون وجود تنظيم موازٍ لقائمة منقولات مستقلة.
ويُلاحظ من خلال هذا التنظيم أن إنهاء العلاقة الزوجية عن طريق فسخ عقد الزواج يخضع لضوابط دقيقة، ترتبط بسبب الفسخ وظروفه.
فقد نظم النظام حالات متعددة للفسخ، كوجود عيب، أو تحقق الضرر، أو عدم النفقة، أو الغيبة، أو تعذر العشرة، ورتب على كل حالة أثرها المالي بما يحقق التوازن بين الطرفين.
ففي بعض الصور، إذا كان سبب الفسخ راجعًا إلى الزوجة، أو تم قبل الدخول دون سبب منسوب للزوج، يترتب على ذلك إعادة المهر أو العوض، بينما في حالات أخرى – خاصة إذا كان السبب من جانب الزوج – تستحق الزوجة حقوقها كاملة.
وهذا التنظيم يعكس مبدأً جوهريًا، مؤداه أن الأثر المالي لإنهاء العلاقة الزوجية يرتبط بسببها، وهو ما يُحقق قدرًا من العدالة التبادلية بين الطرفين، ويحول دون بقاء التزامات مالية منفصلة عن سياق العلاقة وأسباب انتهائها.
وفي ضوء ذلك، تبدو الإشكالية في الواقع المصري مرتبطة بظاهرة صورية المهر في وثيقة الزواج، حيث يُثبت في كثير من الأحيان مبلغ لا يعكس الحقيقة، بينما تُنقل القيمة الفعلية إلى القائمة أو إلى اتفاقات عرفية موازية.
ويؤدي هذا الوضع إلى ازدواجية في المرجعية القانونية، بحيث يصبح العقد الرسمي خاليًا من مضمونه المالي الحقيقي، بينما تُستمد الالتزامات من أوراق خارج نطاقه ( قائمة المنقولات الزوجية).
ومن ثم، فإن المعالجة لا تقف عند حدود الإصلاح التشريعي فحسب، بل تمتد إلى ضرورة بلورة اتجاه قضائي مستقر يتصدى لصورية المهر، من خلال البحث في حقيقة الالتزامات المالية وعدم الاكتفاء بظاهر ما ورد في الوثيقة الرسمية متى ثبت خلافه.
فالقضاء، بوصفه كاشفًا للحقيقة، يملك أدوات تقدير الواقع متى توافرت القرائن الدالة على الصورية، بما يُعيد التوازن إلى العلاقة التعاقدية.
كما يثور في هذا الإطار مقترح تشريعي مؤداه النص صراحة على بطلان أي اتفاق مالي مرتبط بالزواج لم يُثبت في وثيقة الزواج الرسمية، أو عدم الاعتداد به في مواجهة أي من الطرفين.
ومن شأن هذا التوجه أن يُعيد توحيد مصدر الالتزامات داخل العقد ذاته، ويحد من انتشار الأوراق العرفية التي تُنتج نزاعات متعددة.
ولا يمكن إغفال أحد الأسباب العملية التي تدفع إلى صورية المهر، والمتمثل في ربط رسوم المأذون أو إجراءات التوثيق بقيمة المهر المثبت بالعقد، وهو ما يدفع إلى تخفيضه صوريًا لتقليل الأعباء المالية.
ويُظهر ذلك أن الإشكالية ذات طبيعة مركبة، وأن معالجتها تقتضي إعادة النظر في منظومة التوثيق ذاتها، من خلال تبني رسوم ثابتة أو معايير موحدة، بما يزيل الحافز إلى الصورية.
وخلاصة القول، إن استقرار الأسرة يقتضي وحدة المرجعية القانونية لعقد الزواج، وربط الآثار المالية بأسباب إنهاء العلاقة، وإخضاع الالتزامات للشفافية والوضوح منذ البداية.
ويظل تحقيق ذلك مرهونًا بتكامل الدورين التشريعي والقضائي، في إطار الالتزام الدستوري بحماية الأسرة بوصفها الركيزة الأساسية للمجتمع.
د. محمد عبدالحميد العوامري يكتب :قائمة المنقولات “سند مديونية”يغتال استقرار الأسرة








