يوسف عبداللطيف يكتب: الكلمة.. ليست حبرا.. بل هي شرف الوجود

ليست مجرد حروف ترص، ولا مدادا يسكب على ورق فان، إنها “الكلمة”، تلك الطلقة التي لا ترد، والصلوات التي لا تضل طريقها إلى السماء، قبل أن تضع الأمم المتحدة بروتوكولاتها، وقبل أن تصاغ دساتير حرية التعبير، كانت “الكلمة” هي العقد الوجودي الأول بين الإنسان وخالقه، وبين الثائر ومشنقته، نحن هنا لا نتحدث عن رفاهية الرأي، بل عن “قدس الأقداس” الذي جعلت له الأرواح قربانا.
الكلمة هي المسافة الفاصلة بين شرف الموقف وذل الصمت، هي القلعة التي إذا سقطت، سقطت معها كرامة البشرية جمعاء، ففي الثالث من مايو، يهرع العالم للاحتفال بـ “حرية الصحافة” كشعارات وبروتوكولات دولية، لكننا هنا لا نحتفل بورق مطبوع أو شاشات ملونة، نحن نحتفل بـ “المقدس الأول”، الكلمة التي بدأت بها الأديان، وانتهت عندها صراعات الأمم، الكلمة التي وصفها العظيم عبدالرحمن الشرقاوي بأنها “نور وبعض الكلمات قبور”.
وهي الفارق الوحيد والسرمدي بين “النبي” وبين “البغي”، هذه الكلمات ليست مجرد مداد على ورق، بل هي “عقيدة” لمن يعرف أن الحرف أمانة، وأن الكلمة هي الموقف، عندما نستحضر روح “عبدالرحمن الشرقاوي” في حضرة اليوم العالمي لحرية الصحافة، فنحن لا نتحدث عن مهنة، بل عن “قدر” واختيار بين النور والقبر، فالكلمة قدر لا مهنة، ويخطئ من يظن أن الكتابة وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام.
الكتابة صلاة، والكلمة دين في رقبة قائلها، لقد عشت سنواتي أرفض توصيفي كـ “محرر صحفي”، متمسكا بلقب “الكاتب”، لأن الصحفي قد ينقل خبرا، أما الكاتب فيبني وطنا ويصيغ وجدانا، الكتابة بالنسبة لي لم تكن يوما وسيلة للعيش، بل كانت مبررا للبقاء، هي الجسر الذي عبرت فوقه من الحلم إلى الواقع، ومن الذاتي الضيق إلى الوطني الرحب، نحن أحفاد من قدسوا “الكلمة” قبل آلاف السنين على جدران المعابد.
نحن “أمة الكاتب المصري” الذي لم يكتب لمجرد التدوين، بل لخلود الفكرة، واليوم، حين يأتي ذكرى “إعلان ويندهوك”، يجب أن نذكر الحكومات والمؤسسات أن حرية الصحافة ليست “منحة” تعطى، بل هي “حق” ينتزع بالصدق، فلا قيمة لصحافة لا تحمي “النبل البشري”، ولا معنى لقلم لا يكون قلعة يتحصن بها المظلومون، إلى كل من يقرأ، أنت لست مجرد متلق، أنت “الشريك” في صناعة الوعي.
أنت شريكي في المعركة، أنت الحارس على ثبات هذه الكلمة، الكلمة “أمانة”، ومن خان الكلمة فقد خان نفسه قبل أن يخون مجتمعه، هي تلك القوة التي تنكشف بها الغمة، وهي الدليل الذي تتبعه الأمة حين تضل السبل، ففي هذا اليوم، نحيي كل الأقلام التي لم تنكسر، ونترحم على الأسماء التي غادرتنا إلى القبور ولكن بقيت كلماتهم “قلاعا شامخة”، الكلمة الصادقة لا تموت.
حتى لو وارى التراب جسد قائلها، فيا سدنة الأقلام وحراس الحرف، اعلموا أن الكلمة هي الرهان الأخير في معركة الوجود، فإما أن تكون كالشجر الشامخ تضرب جذوره في يقين الحق، أو تكون هباء تذروه رياح الانكسار، إنني اليوم لا أهتف بحرية الصحافة كـ “منحة” ننتظرها، بل أمارسها كـ “قدر” نحياه، الكلمة لم تكن يوما مهنة نقتات منها.
بل هي الصراط الذي نعبر عليه إلى الخلود، فليجف حبر المداهنة، ولتخرس أصوات الزيف، ولتبق الكلمة وحدها هي “الدين” الذي لا نرتد عنه، وهي “الثورة” التي لا تهدأ حتى يسترد الإنسان إنسانيته، إن الكلمة كانت البدء، وهي التي ستكتب سطر النهاية في كتاب الظلام، فإما كلمة نور تحيي أمة، وإما صمت قبر يغتال التاريخ، ليكن شعارنا اليوم وكل يوم “الكلمة شرف، والشرف لا يباع”.
يوسف عبداللطيف يكتب: الكلمة.. ليست حبرا.. بل هي شرف الوجود








