آراء

ابراهيم العمده يكتب :بطاقة التموين والدعم العيني.. موت بالتقسيط المريح

في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية وتتآكل الطبقة الوسطى حتى كادت تختفي من المشهد أعلنت الحكومة رسميًا قرارها بتحويل الدعم العيني عبر بطاقة التموين إلى دعم نقدي بعد عقود طويلة كانت فيها “كيس السكر وزجاجة الزيت” هي العلامة الواضحة لوصول الدعم إلى مستحقيه القرار صدر بالفعل وانتهى زمن التلميحات والتسريبات.

لكن السؤال الذي يطرحه البسطاء قبل الخبراء لم ينته هل تمت دراسة تبعات هذا التحول على شريحة واسعة وكبيرة من المواطنين اعتادت على البطاقة كشريان تنفيس أخير وصمام أمان ضد موجات الغلاء المتتالية؟

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن طريق الحذف سبق طريق التحويل خلال السنوات الماضية شهدنا موجات حذف متتالية لفئات واسعة من مستفيدي المنظومة والمبرر الرسمي دائماً كان واحداً لا يتغير “غير مستحقين” لكن الواقع على الأرض يقول عكس ذلك تماماً بدلاً من التوسع في قاعدة المستفيدين وبدلاً من إضافة الأبناء الذين كبروا وأصبحوا شباباً يعولون أسراً ويتحملون أعباء المعيشة وبدلاً من إدراج من سحقهم الغلاء ولحقوا بقطار الفقر رغماً عنهم بعد أن كانت الطبقة الوسطى ملاذهم الآمن اختارت الوزارة طريق حذف ملايين البطاقات سقطت بحجة “العدالة الاجتماعية” و”ترشيد الدعم” بينما ظل الباب موصداً بإحكام أمام من يستحقون الدخول واكتفت الوزارة بفتح مواقع إلكترونية واستقبال تظلمات لم تسفر عن إضافة مواطن واحد يستحق.

والخطر الحقيقى في التحول للدعم النقدي لا يكمن في الفكرة نفسها بل في “الثبات” وفي غياب آلية التعويض التلقائي فماذا لو ارتفعت أسعار السلع كما يحدث كل شهر بلا توقف؟ هل سترفع الحكومة قيمة الدعم النقدي تلقائياً لتواكب معدلات التضخم المتوحشة؟ أم ستتوقف عند رقم ثابت “وسد خانة” ثم تترك المواطن يواجه السوق وحده بلا حماية؟

المنطق والتجربة يقولان إن الدعم النقدي الثابت في ظل تضخم متصاعد يعني موت الدعم بالتقسيط المريح فاليوم قد تشتري 100 جنيه كيس سكر وزجاجة زيت، وبعد سنة واحدة قد لا تشتري نصفهما بسبب انهيار القوة الشرائية.

وهنا يتحول الدعم من أداة حماية إلى إعانة شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع ويتحول المواطن من مستفيد من دعم مضمون إلى رقم في كشف حساب تنهشه الأسعار.
بطاقة التموين لم تعد مجرد “دعم” في نظر البسطاء وأصحاب الدخل المحدود لقد تحولت إلى غرفة إضافية لا يملكها الفقير ليسكن فيها أبناؤه، وإلى وجبة آخر الشهر حين يفرغ الجيب وتغلق كل الأبواب هي الضمانة الوحيدة أن هناك شيئاً ثابتاً في البيت لا يتغير مع تقلبات السوق والمفارقة أن المصريين عرفوها منذ أربعينات القرن الماضي في عهد الملك فاروق كآلية لضمان وصول السلع الأساسية وقت الأزمات والحروب فإذا كانت الدولة منذ “80 عاماً” تدرك أن لقمة العيش خط أحمر يحمي الاستقرار الاجتماعي فكيف نفكر اليوم في المساس بها أو تحويلها لإعانة نقدية تفقد قيمتها مع أول موجة تضخم؟ التاريخ نفسه يقول لنا أن الدول التي تصمد في الأزمات هي التي تحافظ على دعمها العيني للسلع الأساسية لأنه الضمانة الوحيدة أن الدعم يوصل فعلاً لمعدة المواطن مش لجيب التاجر.
لا أحد يختلف على حق الدولة في ترشيد الدعم وحذف غير المستحقين فهذا أمر تقتضيه العدالة والمنطق الاقتصادي لكن من حق المواطن أيضاً أن يشعر بالإنصاف وأن يلمس العدالة على الأرض من حقه أن يرى ابنه الذي بلغ 18 عاماً وتزوج وفتح بيتاً مضافاً للبطاقة وأن يرى جاره الذي فقد عمله بسبب الأزمة قد دخل منظومة الحماية لا أن يُحذف هو من القائمة بلا ذنب اقترفه سوى أنه كان من الطبقة الوسطى التي سحقها الغلاء. العدالة تقتضي أن يسبق الإضافة الحذف، وأن يسبق بناء البدائل هدم الأصل فلا يمكن أن نهدم منظومة عمرها “80 عاماً” قبل أن نبني ضمانات تحمي المواطن من تقلبات لا يد له فيها.

يا سادة بطاقة التموين كانت خطاً أحمر لا يحتمل التجريب ولا المساس واليوم بعد صدور القرار الرسمي الكرة في ملعب التنفيذ والضمانات فليكن التحول للدعم النقدي مربوطاً بآلية تلقائية شفافة لمواكبة التضخم وبضمانات دستورية وقانونية تمنع تحول الدعم إلى “إعانة شكلية” تفقد قيمتها مع كل موجة غلاء وتترك المواطن فريسة للسوق فالدستور نص صراحة على التزام الدولة بتحقيق “الحياة الكريمة” للمواطن والحياة الكريمة تبدأ من لقمة العيش المضمونة فهل يكون القرار الجديد إضافة وحماية وتطويراً لمنظومة عريقة أم سيبقى السؤال معلقاً والإجابة المؤلمة في جيب المواطن الذي لم يعد فيه شيء ليُدفع بعد أن دفع كل شيء؟
وللحديث بقية

ابراهيم العمده يكتب :بطاقة التموين والدعم العيني.. موت بالتقسيط المريح

زر الذهاب إلى الأعلى