د. رانيا حمدى احمد تكتب :مصنع الخيال

تغير الصور النمطيه بارتداء الرقمنة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي
ينفتح الفن السابع على استيعاب الفنون السابقه واللاحقه له فلم تكن السينما مجرد وسيله للترفيه بل كانت مصنعا للخيال الجمعي ومنصة لاعادة تشكيل الوعي وصناعة الانطباعات عن الانسان والمجتمع وعلى الرغم من التطور الهائل الذي شهدته الصناعة بقيت الصور النمطية احد اكثر ملامحها رسوخا حتى تحولت الى قوالب جاهزة تعاد صياغتها في كل جيل.
فقد اسهمت السينما لعقود في ترسيخ انماط ذهنيه محددة عن المراة وعن الفلاح وعن العامل وعن الطفل وكبار السن وشخصيات نمطية يسهل التعرف عليها قبل ان تنطق بكلمة واحدة ومع ظهور الذكاء الاصطناعي لم يعد السؤال متعلقا بقدرة التكنولوجيا على انتاج صورة اكثر ابهارا بل بقدرتها على انتاج صورة اكثر عدلا وانصافا.
وهنا تكمن المفارقه فكلما ازدادت دقه الخوارزميات ازدادت قدرتها على اعادة تدوير الانحيازات القديمة بصورة يصعب اكتشافها.
فالذكاء الاصطناعي لا يخلق التحيز بل يضخم ما يتعلمه اذا غابت عنه الضوابط المهنية والاخلاقية وتتيح هذه التقنيات فرصة تاريخية لاعادة تعريف مفهوم التمثيل السينمائي فمن خلال تدريب النماذج على بيانات اكثر تنوعا واشراف خبراء الاعلام وعلم الاجتماع وعلم النفس في تطوير ادوات الذكاء الاصطناعي يمكن انتاج اعمال تعكس الواقع الانساني بكل تعقيداته بعيدا عن الاحكام المسبقة والقوالب الجاهزة، ولعل اخطر ما في هذه المرحلة ان المشاهد قد لا يميز بين الابداع الانساني وما تنتجه الخوارزميات وهو ما يضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية وصناع السينما في ترسيخ مبادئ الشفافية والافصاح عن حدود استخدام الذكاء الاصطناعي لضمان الا تتحول التكنولوجيا الى وسيلة لاعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق انماط منحازه.
ان مستقبل السينما سيحدده قدرة صناعها على الجمع بين الابتكار والمسؤولية فالتكنولوجيا ليست بديلا عن الضمير الابداعي بل اداة تتحدد قيمتها بما يوجهها من رؤية إنسانية وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحا هل سيصبح الذكاء الاصطناعي شريكا في تحرير السينما من الصور النمطية التي صنعتها عبر عقود طويلة؟ ام انه سيمنح تلك الصور حياة جديدة داخل خوارزميات لا تنسى ونجد ان الاجابة لن تكتبها الاله وحدها بل سيكتبها الانسان الذي يقرر ماذا يعلمها وماذا يختار ان يرويه عن نفسه وعن الآخرين؟.








