يوسف عبداللطيف يكتب: لماذا يكره المرتزقة “السيستم الذكي” للمرور؟

في زاوية ضيقة بورشة ميكانيكي عجوز بأسيوط، رأيت الأسطى “كامل” وهو يوبخ سائق ميكروباص شابا حاول ربط فرامله ب “سلك رباط” مهترئ ليوفر ثمن قطعة الغيار، صرخ فيه العجوز والشرر يتطاير من عينيه: “يا ابني دي أرواح ناس! لو فرملك خانتك في لفة صينية، مش هتدفع غرامة للمرور.. هتدفع عمرك وعمر الغلابة اللي معاك!”.
المشهد يختصر كل شيء؛ القانون في الشارع ليس عدوا للمواطن، بل هو طوق النجاة الأخير قبل أن تتحول شوارع أسيوط إلى غابة من الحديد الطائر، لكن فجأة، تحول ضبط الشارع إلى “جريمة”، وخرج علينا جهابذة الفيس بوك من أصحاب “السبوبة” يندبون حظ المجتمع من تطبيق قواعد الأمن والمتانة!
يقف (عاشور العايق) متكئا على عصاه البلوطية متمتما: «زمان كان الرأي كلمة شرف تنبع من وجع الناس.. والنهارده بقى كيلو طماطم على باب الجريدة الإلكترونية وبوست ممول على الفيس!».
القفلة: المرتزق لا يدافع عن المليون طالب.. بل عن “الكاش” الذي تأخر وصوله على المحفظة الرقمية بعد غلق محابس المخالفات وسحب رخص المتهورين.
يطل (عبده مشتاق) برأس مبلل بژل الإعلام، صارخا في اللفيف: «أنا الذي اكتشفت الثقب الأسود في الإيصال رقم 11 مليون، وأطالب النواب بالتحقيق!».
القفلة: مشتاق لا يقرأ المستند، هو فقط يحفظ سعر اللايك؛ فالأرقام المنشورة ليست كنزا سريا، بل هي ميزانية مرئية ومقننة بالكامل طبقا ل “مشروع تحسين الخدمات المرورية بمحافظة أسيوط” المعتمد رسميا بالقوانين لتطوير المواقف والمحاور وصرف حوافز جهود الضباط ليل نهار.
يخرج (مسعد بيه ترزي اللوائح) من جيبه بقانون المرور مبررا: «اللائحة واضحة، وصندوق تحسين الخدمة ليس حوصلة زكاة، بل صيانة أرواح وأسفلت».
القفلة: القوانين الرسمية لا تفسر ب “الفتاوى الرمادية” الصادرة من “بوسطجي السبوبة”، ومن يطبق اللائحة لحماية الناس يحميه القانون والدستور.
■
يمر (عم بهنسي الفلاح) بعجلة مطفأة الأنوار، ليقول لضابط الارتكاز بالأكمنة الاستباقية: «صلح نورك يا ابني، العتمة بتجيب الموت قبل الغرامة، والالتزام نجدة».
القفلة: المواطن البسيط يفهم قيمة “النور” والأمن قبل أن يفهم تباكي المرتزقة؛ فترك شاحنات الدقيق المتهالكة بلا أنوار ولا مكابح وسط محافظة متخمة بمليون و255 ألف طالب وطالبة مع بداية العام الدراسي، هو الجريمة الحقيقية في حق الضمير.
■
يرتجف (الحاج فهيم منظرة) وهو يحسب الغرامات على كفه المرتجف، ردا على هراء “فيلسوف الأبراج أبو حمار” الذي يبرر الفوضى بفقه عام الرمادة: «لو دفعنا للشيال تمن حراسة الدقيق، يبقى ندفع للمرور تمن حراسة دم عيالنا ع الإسفلت».
القفلة: اللصوصية الغذائية لا تحل بمخالفة مرورية مروعة، وأن تستدعي فقه عام الرمادة لتبرير سير مقطورة بلا كبح، فهذا ليس فكرا.. هذا “إسهال فكري” يستوجب سحب رخصة القلم فورا!
■
يتقدم (الأستاذ تيسير السيستم) حاملا ملف الحلول الرقمية المستدامة لإنهاء لغط الغرف المغلقة والأهواء البشرية: «يا سادة، الأزمات الهيكلية في الشارع لها حلول تكنولوجية واضحة؛ كإطلاق (النافذة الرقمية الذكية للفحص الفني والامتثال المروري)، بحيث يتم فحص سيارات النقل والسيرفيس إلكترونيا وتوثيق الأعطال بالكامل عبر أجهزة كشف ذكية متصلة بوزارة الداخلية دون تدخل للعنصر البشري لمنع الشبهات والمجاملات».
القفلة: التطور الإداري والرقمي يقطع الطريق على تجار العشوائية، والمبتز هو الوحيد الذي يكره “السيستم الذكي” لأنه ينهي زمن الصراخ بالقطعة!
■
حين تختلط “مخالفة الأمن والمتانة” ب “السبوبة الرقمية”، تصبح السلامة المرورية ضحية جانبية لحرب “التريند” وتصفية الحسابات الشخصية الضيقة.
القفلة: الشارع في أسيوط ليس استوديو “برامج توك شو” رخيصة، وعرق ضابط المرور في عز الشمس هو الدرع الحقيقي لحماية الأرواح، ومن لديه مظلمة فباب التظلم القانوني والنيابة المرورية مفتوح بعيدا عن الابتزاز الرقمي.
الدولة العصرية لا تدار بمنطق “اطفئ الموت وافتح للشيال”، بل بمنطق مأسسة السلامة ومحاسبة التجاوز بميزان المستند لا بلسان المرتزق؛ والفرق جوهري وفاصل بين “الحق في مساءلة المؤسسة” عبر القنوات الرقابية المقررة دستوريا (المادتان 124 و125 من الدستور)، وبين “الابتزاز الإداري” المغلف بغلاف الحنين المؤقت لعام الرمادة.
استقيموا يرحمكم الله، فالقانون قد يحمي المغفلين أحيانا.. لكنه حتما لا يحمي المرتزقة وأصحاب السبوبة! وعاش رجال الشرطة البواسل حراسا للحق وهيبة القانون على الأسفلت.
يوسف عبداللطيف يكتب: لماذا يكره المرتزقة “السيستم الذكي” للمرور؟








