آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: كيف تحولت وعود كامب ديفيد إلى أداة للتسويف؟

لو أنك اشتريت عقدا قديما موثقا، يتعهد فيه البائع بترك حصته من الحديقة المجاورة لبيتك خلال خمس سنوات، ثم مرت نصف قرن والبائع ما زال يغرس أشواكه في أرضك، بل ويطالبك بدفع ثمن تذكرة العبور لرؤية الشجر.

هذا هو لسان حال المشهد في الشرق الأوسط ونحن نفتح أجندة التاريخ اليوم، 17 سبتمبر، لنستدعي ذكرى توقيع معاهدة كامب ديفيد الإطارية عام 1978.

وفي غمرة النشرات ومقالات الرأي الرقمية، يقف “عبده مشتاق” الباحث عن لقطة سياسية، ومعه “الحاج فهيم منظرة” يتأملون بنود ذلك الاتفاق الذي وقعه الزعيم الراحل أنور السادات بذكاء المناور؛ وهنا التفت إلي المواطن المصري العتيق “عاشور العايق”، وهو ينفث دخان نرجيلته الساخرة قائلا: “يا أستاذ يوسف، السادات حفر في كامب ديفيد خندقا قانونيا شرطه الانسحاب الكامل من سيناء والعودة إلى الحقوق الدولية، ونحن اليوم نرى الكيان الصهيوني المحتل يبتلع الوعود والضفة وغزة، ويترك المنطقة تلهث وراء سراب (الوضع النهائي) الذي كان مقررا له خمس سنوات فأصبح خمسين عاما من الحبر الدفتري البارد!”.

الأزمة الحقيقية ليست في نصوص الاتفاقيات الكلاسيكية، بل في طبيعة الغطرسة التي حولت العهود الدولية إلى أدوات للتسويف؛ فالوثيقة التاريخية التي نالت رعاية أممية صاغت ركائز واضحة بالغة الحسم:

أولا: إنشاء حكم ذاتي كامل في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة خمس سنوات كمرتكز تكتيكي يمهد للتفاوض على الوضع النهائي لحماية الحقوق الفلسطينية.

ثانيا: الدعوة لمعاهدات سلام شاملة بين كافة الدول العربية المجاورة والجانب الآخر لتحقيق الاستقرار الإقليمي الجوهري.

ثالثا: الانسحاب الكامل والشامل من شبه جزيرة سيناء والعودة إلى الحدود الدولية المعتمدة قانونا.

رابعا: حماية حق المرور الملاحي للسفن عبر شريان قناة السويس، وخليج العقبة، ومضيق تيران باعتبارها ممرات دولية حرة.

خامسا: الترتيب للتوقيع الرسمي والنهائي للمعاهدة في 26 مارس 1979 بشرط الالتزام الصارم ببند الانسحاب الكامل غير المنقوص.

المفارقة المأساوية تتجلى عندما نربط تلك البنود بالواقع الإقليمي المعاصر في سبتمبر 2026؛ فالسادات نطق بمقولته المأثورة الشهيرة تحت قبة الكنيست: “إن السلام الحقيقي ليس مجرد توقيع على ورق، بل هو إقرار بالحقوق المشروعة للشعوب وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”.

ولكن، ما يحدث على أرض الواقع من قبل الكيان الصهيوني المحتل يمثل تدميرا كاملا لأسس هذه المعاهدة؛ حيث تحولت وعود “الحكم الذاتي لغزة والضفة” إلى حصار شامل واعتداءات ممنهجة ومحاولات تهجير يومية تخرق كافة المواثيق الدولية، ليثبت هذا الكيان الغاصب للعالم والشارع العربي الرافض للتطبيع حكومة وشعبا وفطرة، أنه لا يفهم سوى لغة القوة، وأن الاتفاقيات لديه ليست إلا وسيلة لشراء الوقت وتوسيع رقعة الاستيطان الفاشي.

إن مواجهة هذا التراجع الدولي في الالتزام بالعهود تتطلب رؤية استراتيجية حاسمة ولا تقبل التسويف:

أولا: الالتزام الصارم بالقوانين والمعاهدات الدولية التي تعترف بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وبطلان أي إجراءات أحادية يتخذها الاحتلال في القدس أو الضفة.

ثانيا: تفعيل المساءلة الجنائية الدولية ضد ممارسات الكيان الصهيوني الغاصب، وعرض انتهاكاته للمواثيق الإطارية أمام الأمم المتحدة بآلية علنية واضحة.

ثالثا: ربط أي استقرار إقليمي بالانسحاب الكامل والاعتراف بالحقوق المشروعة، وتجريم الدبلوماسية الأحادية التي تحاول فرض الواقع الاستيطاني لتصفية القضية الفلسطينية.

هنا تتدخل السخرية التهكمية لتكشف العورات؛ فبينما يهرول “عبده مشتاق” للتصفيق لأي خطابات منمقة طمعا في الوجاهة، تظل جملة الكادر القديم “عاشور العايق” تلخص المشهد الإقليمي ببراعة: “يا أستاذ يوسف.. السادات فرض شروطه بالانسحاب الكامل حتى آخر شبر في سيناء، والكيان المحتل النهاردة بيلعب في المنطقة بالقطعة ويبيع لنا الوهم، والمواطن العربي دايما واعي ومتمسك بأرضه، والسراب مش هيتحول لماء!”.

التاريخ ليس صفحات ميتة نعلقها كـ “بروشورات بروتوكولية” لمرة واحدة في العام، ولا هو نصوص يتحايل عليها المحتل؛ إن الكرامة الوطنية والسيادة شرايين حية، متى تخثرت الدماء فيها بفعل الصمت على الانتهاكات، فقدت المواثيق شرعيتها وإن هلل لها المستفيدون.

إن بناء السلام في المنطقة لا يقوم على لقطات التكريم أو التهدئة اللحظية لامتصاص الأزمات، بل يقوم على بيئة محاسبية رصينة تحترم ثوابت الأمة وعقل المواطن؛ ومتى تحول الالتزام بالعهود إلى بروفة مسرحية، سقطت المشروعية الدولية، ولم يبق سوى أطلال عهود تتآكل، لتؤكد للتاريخ أن الحق الذي لا تحميه شجاعة الممارسة اليومية الحقيقية والصلابة وقوة الإرادة في مواجهة الغطرسة يتبخر، وأن التراجع أمام المحتل الغاصب هو الخيار الأكثر كلفة الذي تدفعه الأوطان من حاضرها ومستقبل أبنائها.

رحم الله الزعيم أنور السادات، وعاش الوطن حرا عصيا على التبديد والنسيان.

يوسف عبداللطيف يكتب: كيف تحولت وعود كامب ديفيد إلى أداة للتسويف؟

زر الذهاب إلى الأعلى