عبدالعظيم القاضي يكتب: “روفان رضا” تسطر ملحمة أخلاقية تهز القلوب في المنيا

يعد الريف المصري على مر العصور الوعاء الحضاري والاجتماعي الذي احتفظ بالجوهر النقي للشخصية المصرية، فبين مزارع القمح وحقول الحنين، وفي بيوت الطين التي تعبق بالدفء والمحبة، تتشكل منظومة أخلاقية فريدة تمثل “البوصلة الضابطة” للمجتمع، ولا شك أن البيئة الريفية بلحمتها الاجتماعية القوية تلعب دوراً محورياً وأساسياً في ترسيخ مفاهيم الالتزام الأخلاقي والأمانة، لتصبح سلوكاً تلقائياً وفطرة سوية ينشأ عليها النشء.
تجسدت تلك الامانه في نموذج واقعي في طفلة صغيرة بمدرسة العدوة محافظة المنيا، تسطّر ملحمة في الأمانة والنقاء
في زمنٍ تتسارع فيه الأطماع وتتلاشى فيه أحياناً معاني الضمير الإنساني الحي، لتثبت لنا انه من حين لاخر تبرز ومضات أمل تعيد للقلوب طمأنينتها، وتثبت أن الخير باقٍ في هذه الأمة ما بقي الصغار على فطرتهم النقية.
من بقعة طيبة أرض الصعيد، طلعت علينا طفلة صغيرة في الصف الرابع الابتدائي تدعى روفان رضا محمد ماضي، لتلقي على الكبار درساً بليغاً في الشرف والنزاهة والأمانة.
قصة أمانة هزت القلوب
بدأت القصة حين عثرت الطفلة الصغيرة روفان، بقلبها الطاهر وعينها البريئة، على قطع من الذهب سقطت سهواً في الشارع. لم تكن هذه الحلي المعدنية مجرد معادن ثمينة عادية، بل كانت طوق نجاة حقيقياً لصاحبها الذي أثقلته الديون وكان يعتزم بيعها لفك كربته وسداد ما عليه من التزامات مالية قاسية.
رأت روفان الذهب، فلم تطمع ولم تتردد، بل أخذت الأمانة وسارعت بها إلى حضن والدتها، وفي صباح اليوم التالي، كان صاحب الذهب يهيم على وجهه في الشارع يسأل الناس بحسرة وأمل عن ضالته التي تمثل له مخرجاً من أزمته.
وهنا ظهر معدن الأسرة الأصيل؛ إذ بادرته والدة روفان قائلة بصدق وثبات: “الذهب عندنا، بنتي وجدته أمس”. ولم تكتفِ بذلك، بل طلبت منه وصف الذهب بدقة ليتطابق مع ما بحوزتها (وهو عبارة عن حلقين من الذهب)، وما إن وصفهما حتى سلمتهما له كامل غير منقوص، لترتسم على وجه الرجل ابتسامة الفرج وتتجدد حياته.
لم تقتصر روعة الموقف على رد الأمانة فحسب، بل ضربت الطفلة ووالدتها مثالاً نادراً في العفة والتعفف؛ فقد رفضا رفضاً قاطعاً قبول أي مكافأة أو مقابل مادي من صاحب الذهب، مؤكدتين أن ما قمن به هو الواجب الأخلاقي والديني، وأن سعادة إنسان وفك كربه أغلى بكثير من كل أموال الدنيا.
إن أفعالاً عظيمة كهذه لا يُقاس قدرها بحجم الذهب المفقود، بل بحجم القيمة الأخلاقية التي غرستها هذه الطفلة في مجتمعها ومن هنا فإننا نتوجه بمطالبة واضحة وصريحة إلى مدير المدرسة وإدارة العدوة التعليمية ووزير التربية والتعليم بضرورة تكريم الطفلة الأمينة “روفان” في طابور الصباح وأمام جميع زملائها، لتكون رمزاً يحتذى به، ولتظل هذه الواقعة وسام إعراب وفخر على صدر كل من يرتدي ثوب العلم والتربية.

تحية لروفان، وتحية لوالدتها التي أحسنت التربية، ولكل يد تمتد بالصدق والأمانة لتضيء عتمة الطرقات.
عبدالعظيم القاضي يكتب: “روفان رضا” تسطر ملحمة أخلاقية تهز القلوب في المنيا








