آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: أزمة الالتزام في مواسم الوعود

على عتبة الميدان، جلس صديقي “عاشور العايق” يقلب في دفتر قديم، وبجواره “عبده مشتاق” يراجع ربطة عنقه في مرآة هاتف محمول.

التفت إلي عاشور وقال متهكما: “يا أستاذ يوسف، زمان كان الراجل يتربط من كلمته، والنهاردة المسؤول يتربط من اليمين الدستوري.. فيفك العقدة قبل ما الحبر ينشف!”.

تذكرت وقتها مقولتي القديمة بأن الوعود في مواسم الانتخابات والتكليفات أصبحت مثل بالونات الهيليوم؛ ترتفع سريعا في السماء، ثم تختفي تاركة وراءها فراغا تاما.

نحن نعيش حالة من فجوة المصداقية التنظيمية، حيث بات الانفصام واضحا بين القسم والوعد، وبين الأداء الحقيقي في الشارع.

إنها ليست أزمة أشخاص، بل هي ظاهرة إدارية وسياسية تتسع مظلتها لتشمل نوابا ووزراء ومحافظين، بل وحتى قيادات العمل الأهلي والرياضي.

البداية من تحت قبة البرلمان؛ حيث يقف “عبده مشتاق” ليقسم اليمين الدستورية برعاية مصالح الشعب رعاية كاملة.

لكن، ما إن تنتهي حمى الدعاية وصخب الميكروفونات، حتى تكتشف الأغلبية الجماهيرية أن المهام الدستورية الأصيلة المنوط بها النائب –وأولها الرقابة والتشريع– قد أحيلت إلى الاستيداع.

تتحول الأدوات الرقابية الحادة كالاستجوابات وطلبات الإحاطة إلى مجرد أدوات صوتية؛ حيث تميل النبرة نحو الشو الإعلامي والخطابات الحماسية أمام الكاميرات، بدلا من التفكيك التشريعي للموازنات والقوانين ومحاسبة المقصرين.

النواب تحولوا في نظر الشارع من مشرعين ومراقبين إلى “حناجر برلمانية” تتقن البلاغة وتفتقر للأثر التنفيذي على الأرض.

وعلى ذات الرصيف التنفيذي، يقف الوزراء والمحافظون؛ حيث يقطع الوعد تلو الوعد بالنزول الميداني وحل الأزمات الهيكلية للمواطنين.

والواقع المؤسسي يشير إلى أن القرارات غالبا ما تأتي لامتصاص الأزمة اللحظية دون علاج الجذور.

أما إذا انتقلت إلى مقاعد رؤساء الأحزاب وقياداتها، فستجد “مسعد بيه ترزي القوانين”؛ الفئة الأكثر مساهمة في تمرير الأزمات عبر تفصيل اللوائح الداخلية الحزبية وتكريس المركزية الفردية، متناسين الوعود الديمقراطية التي قطعوها للقواعد، مما يفتح الباب لتآكل العمل الحزبي وتحويل الكيانات السياسية الكبرى إلى مقرات لإدارة المصالح الضيقة وتصفية الحسابات.

العدوى لم تتوقف عند السياسة، بل زحفت نحو المجتمع المدني؛ حيث يبرز “الحاج فهيم منظرة”، رئيس الجمعية الأهلية أو رئيس النادي الرياضي المعين.

هؤلاء القيادات يقطعون عهودا بتقديم التنمية المجتمعية والرعاية والأنشطة، لكن ما إن يستقروا على مقاعد مجلس الإدارة، حتى تلتهم الصراعات الداخلية والمكاسب الوجاهية كل وعود التطوير، لتتحول الجمعيات والأندية من محراب لخدمة العامة إلى قلاع لإدارة النفوذ والوجاهة الاجتماعية.

الحديث عن غياب آليات الالتزام بالوعود هو محض استسلام تنظيمي؛ فالدولة والقانون يملكان مسارات واضحة لإعادة الانضباط للمشهد العام:

أولا: تفعيل حقيقي للأدوات البرلمانية عبر إلزام اللجنة العامة بمناقشة الاستجوابات المستوفاة للشروط فورا دون تأجيل، لمنع تحول الرقابة النيابية إلى مجرد مظهر إعلامي.

ثانيا: وضع تشريع يربط استمرار المجالس الحزبية والنقابية بمدى التزامها بتطبيق اللائحة المعتمدة من الجمعيات العمومية، مع فرض عقوبات إدارية صارمة على القرارات المنفردة.

ثالثا: إلزام وزارة التضامن والجهات الرقابية بمراجعة ميزانيات وأنشطة الجمعيات الأهلية والأندية بشكل دوري، وربط تجديد التراخيص بتقديم خدمات فعلية ملموسة للجمهور وليس ببيانات العلاقات العامة.

صديقي “عاشور العايق”، وهو يرى “عبده مشتاق” يسرع ليلحق بسيارته الفارهة تاركا خلفه جموع الناخبين، نظر إلي وقال بمرارة ساخرة: “يا أستاذ يوسف.. كلهم بيحبوا يقرأوا كتاب الوعود في أول الموسم، ويسقطوا في امتحان الممارسة في آخر السنة.. وإحنا بنجدد الأمل والشاشات شغالة تصفيق والواقع ثابت ما بيتغيرش!”.

وسط زحمة البيانات الرسمية وخطابات القسم المعلنة، تظل الحقيقة واضحة: إن احترام عقول الجماهير لا يبدأ من صياغة العبارات الحماسية أو التقاط صور التكريم والمؤتمرات، بل يبدأ من احترام اليمين الدستوري والالتزام بالوظيفة الأساسية؛ فالنائب وجد ليرقب ويشرع، والمسؤول وجد لينفذ ويخدم، ومتى تحولت هذه الواجبات إلى مجرد وعود موسمية، فقد العمل العام جوهره، وأصبحنا أمام بروفات مكررة لا تنتج إلا مزيدا من التراجع.

يوسف عبداللطيف يكتب: أزمة الالتزام في مواسم الوعود

زر الذهاب إلى الأعلى