آراء

النائب محمد اسماعيل يكتب : الخليج ومصر.. توازن عربي في زمن التحولات

الحديث عن أن دولة خليجية قد تلقى مصير دولة عربية أخرى، أو أن هناك «شيطانًا أكبر» يحرك كل ما يحدث في المنطقة، يحتاج إلى قراءة أكثر هدوءًا وعقلانية.

فالسياسة الدولية لا تعرف الصداقة المطلقة ولا العداء الأبدي، وإنما تعرف المصالح وتوازنات القوة.

نعم، القوى الكبرى تغير مواقفها عندما تتغير مصالحها، والتاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن الاعتماد الكامل على قوة خارجية ليس سياسة آمنة.

لكن الخطأ هو اختزال كل ما يحدث في المنطقة في مؤامرة واحدة، أو الاعتقاد أن الخليج العربي مجرد مجموعة دول تنتظر من يحميها.

الخليج اليوم منظومة متكاملة من الدول ذات الثقل الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي.

السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان ليست مجرد دول نفطية؛ بل أصبحت مراكز اقتصادية واستثمارية ومالية وسياسية مؤثرة، ولها علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا وآسيا.

والأهم أن أمن الخليج لم يعد قضية خليجية منفردة.

أمن الخليج هو جزء من الأمن القومي العربي، وأي اضطراب كبير فيه لن يتوقف عند حدوده، بل ستصل آثاره إلى مصر والبحر الأحمر وقناة السويس وأسواق الطاقة والاقتصاد العربي كله.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيحمي الخليج؟

وإنما:

كيف يستطيع الخليج أن يحمي أمنه ومصالحه، مع تنويع علاقاته الدولية، وعدم وضع كل أوراقه في يد قوة واحدة؟

وهنا يأتي الدور المصري.

مصر لا تنظر إلى الخليج باعتباره ساحة نفوذ، ولا تتعامل مع أشقائها بمنطق الوصاية، وإنما تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءًا من الأمن العربي الذي تمس مسؤوليته مصر بحكم التاريخ والجغرافيا والمكانة.

وفي عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، أصبح واضحًا أن الرؤية المصرية تقوم على الحفاظ على الدولة الوطنية، ومنع تفكك الدول العربية، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحات مفتوحة للحروب بالوكالة.

مصر لا تريد أن ينتصر محور على محور إذا كان ثمن ذلك انهيار دولة عربية.

ولا تريد أن تتحول الخلافات العربية إلى فرصة للقوى الإقليمية والدولية كي تعيد رسم المنطقة على حساب شعوبها.

ولهذا تحافظ القاهرة على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، وتتحرك وفق مصالحها الوطنية والعربية، وتفتح قنوات الحوار مع الجميع، من دون أن تتنازل عن قرارها المستقل.

وهذه في رأيي واحدة من أهم رسائل السياسة المصرية في السنوات الأخيرة:

لا عداوة دائمة، ولا تبعية دائمة، ولا ارتهان دائم.
المعيار هو مصلحة مصر وأمن المنطقة واستقرار الدول العربية.

والخليج تحديدًا يحتاج إلى هذه المعادلة.

فالقوة الخليجية ليست فقط في النفط والغاز، وإنما في الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والموانئ والموقع الجغرافي والعلاقات الدولية، وفي قدرة دول الخليج على العمل كجزء من منظومة عربية أكثر تماسكًا.

كما أن مصر لا تستطيع أن تتعامل مع الخليج باعتباره مجرد مصالح اقتصادية؛ فبين مصر والخليج تاريخ ومصير وأمن مشترك.

مصر هي الشقيقة الكبرى لكل الأشقاء العرب، والشقيقة الكبرى لا تبحث عن السيطرة على إخوتها، وإنما تقف إلى جوارهم عندما تشتد الأزمات.

وهنا يجب أن تكون هناك دعوة واضحة للتنسيق العربي

نحن في حاجة اليوم إلى تنسيق عربي حقيقي، لا يقتصر على البيانات والمؤتمرات، وإنما يتحول إلى آليات عمل مستمرة في السياسة والاقتصاد والدفاع والأمن والطاقة والغذاء والمياه وأمن الملاحة.

نحتاج إلى أن تتحدث الدول العربية مع بعضها قبل أن تتحدث القوى الكبرى عنها.

نحتاج إلى تنسيق المواقف في الأزمات الإقليمية، وإلى حماية الأمن القومي العربي بصورة جماعية، وإلى تكامل اقتصادي واستثماري يخلق مصالح عربية مشتركة تجعل أي محاولة لضرب دولة عربية تهديدًا لمصالح الجميع.

الخليج يحتاج إلى مصر، ومصر تحتاج إلى الخليج، والعرب جميعًا يحتاج بعضهم إلى بعض.

وهذه ليست عاطفة أو شعارًا، وإنما حقيقة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.

ولذلك يجب أن ننتقل من مفهوم «كل دولة تواجه أزماتها منفردة» إلى مفهوم «أمننا العربي مسؤولية مشتركة».

فإذا كانت القوى الكبرى تعرف كيف تنسق مصالحها، فلماذا لا يستطيع العرب أن ينسقوا مصالحهم؟

ولذلك فالمطلوب اليوم ليس تخويف الشعوب الخليجية من سيناريوهات الانهيار، ولا إطلاق أحكام مبنية على نظرية المؤامرة.

المطلوب هو أن تكون هناك دول قوية، ومؤسسات قوية، واقتصادات قوية، وجيوش قادرة، وعلاقات دولية متنوعة، وتنسيق عربي حقيقي.

فالعالم لا يحترم الضعفاء، ولا يحمي من لا يستطيع حماية مصالحه.

والخلاصة:

الخليج ليس لقمة سائغة، ومصر ليست دولة بعيدة عن أمن الخليج، والعرب لا يملكون رفاهية أن يسقط أحدهم بينما يصفق الآخر.

ما نحتاجه هو أن تنتقل المنطقة من سياسة المحاور إلى سياسة التوازن، ومن انتظار الحماية الخارجية إلى بناء القوة الذاتية، ومن الصراع العربي إلى التعاون العربي.

وفي هذه المعادلة ستظل مصر، بحكم تاريخها ومكانتها، مطالبة بأن تكون صوت العقل، وركيزة التوازن، والشقيقة الكبرى التي لا تتخلى عن أشقائها.

مصر لا تريد أن تحكم الخليج، ولا أن تقود العرب بالقوة…
مصر تريد خليجًا قويًا، وعربًا أقوياء، ومنطقة لا يستطيع أحد أن يفرض عليها مستقبلها من الخارج.

فالمرحلة القادمة لا تحتمل فرقة عربية، وإنما تحتاج إلى كلمة عربية واحدة، وتنسيق عربي حقيقي، ومصالح عربية مشتركة، ووعي بأن قوة كل دولة عربية هي إضافة إلى قوة أشقائها

النائب محمد اسماعيل يكتب : الخليج ومصر.. توازن عربي في زمن التحولات

زر الذهاب إلى الأعلى