مروة أحمد عبد العليم تكتب: كيف تدير مصر معركة البنية الرقمية والموازنة بين واشنطن وبكين؟

يشهد العالم في العقد الحالي تحولاً جذرياً في مفهوم القوة الاقتصادية والسياسية، فلم يعد النفط أو الموارد الطبيعية وحدهما محركاً للتنافس بين الدول، وإنما أصبحت البيانات والذكاء الاصطناعي والقدرة على معالجتها وتوظيفها من أبرز أدوات القوة في القرن الحادي والعشرين. فالدول التي تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة، ومراكز بيانات ضخمة، وقدرة على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، ستكون أكثر قدرة على التأثير في ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، في قطاعات حيوية تشمل الصحة والتعليم والطاقة والزراعة والتصنيع والأمن.
وفي هذا السياق، لم تعد المنافسة على أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية مجرد سباق تجاري، بل أصبحت منافسة استراتيجية بين القوى العظمى، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الأمن القومي والنفوذ الجيوسياسي. وفي خضم هذا التحول العالمي، تمتلك مصر عدداً من المقومات التي تضعها في موقع مهم في هذا المجال، من بينها سوق استهلاكية ضخمة تضم أكثر من مئة مليون نسمة، وبنية تحتية هندسية وتقنية معلوماتية متينة وبأسعار معقولة للغاية، إلى جانب موقع جغرافي استراتيجي يجعلها نقطة عبور رئيسية لبيانات ما تحت الماء، حيث تستحوذ على حصة كبيرة من حركة الإنترنت العالمية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما يجعلها مركزاً حيوياً للبنية التحتية للاتصالات في العالم.
وفي هذا الإطار، نشرت صحيفة «فيدوموستي» الروسية مقالاً تناول آفاق الاستثمار في مصر في مجال الذكاء الاصطناعي، مسلطاً الضوء على مقترح استثماري وُصف بأنه «أكبر مشروع في المنطقة»،
ويهدف إلى إنشاء بنية تحتية رقمية شاملة في مصر تضم أكثر من 2000 شريحة متطورة، على أن يتم تنفيذ المشروع خلال فترة لا تتجاوز 12 شهراً، إلى جانب توفير برامج تدريبية للكوادر المحلية. ووفقاً لما أورده المقال، فإن التكلفة الإجمالية لهذا المقترح تقل بنسبة تتراوح بين 30% و40% عن تكلفة منافسيه الغربيين، مثل «إنفيديا» و«مايكروسوفت» و«أمازون» ولا يقتصر العرض على بيع المكونات، وإنما يشمل أيضاً خيارات تمويل مرنة، من بينها خطط تقسيط لمدة عشر سنوات، وصفقات مقايضة، أو تسويات بالعملات الوطنية في العلاقات الثنائية، بما سيقلل الاعتماد على الدولار في التجارة بين البلدين.
وأشار المقال إلى أن هذا التعاون التقني المتنامي أصبح ممكناً بفضل تأسيس شركة «هواوي» مؤخراً في مصر، وإطلاق أول خدمة سحابية عامة في القاهرة، إلى جانب استثمارها أكثر من 300 مليون دولار في مشروعات مراكز البيانات وتدريب الموظفين. غير أن العرض الصيني لم يمر دون اهتمام من واشنطن، التي لم تنظر إليه باعتباره مجرد صفقة تجارية عابرة. ووفقاً لــ«فيدوموستي»، فقد أفادت وسائل إعلام غربية بأن الإدارة الأمريكية استعانت بدعم شركات كبرى، من بينها «إنفيديا» و«إيه إم دي» و«مايكروسوفت»، لإعداد عرض أمريكي منافس.
كما يشير المقال إلى أن فوز الصين بهذه الصفقة يمنحها موطئ قدم استراتيجياً في منطقة حيوية، بينما تخشى الولايات المتحدة تكرار السيناريو السابق الذي شهد انطلاق «هواوي» بصفقات صغيرة ثم نموها لتصبح عملاقاً عالمياً. وبذلك، أصبحت المناقصة المصرية جزءاً من منافسة أوسع بين التكنولوجيا الأمريكية والصينية، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية.
وبالنسبة إلى مصر، تتجاوز المسألة مجرد المقارنة بين الأسعار الأولية، إذ إن التكاليف الحقيقية لأي اتفاق لا تقتصر على ثمن المعدات، وإنما تمتد إلى نفقات التشغيل والصيانة وتراخيص البرمجيات، وهي تكاليف قد تتضاعف مع مرور الوقت وتتحول إلى عبء دائم على الميزانية، كما تتميز الأنظمة الصينية، بحسب ما أورده المقال، بنماذج تسعير أقل جموداً من نظيراتها الأمريكية، كما توفر تمويلاً وشروط دفع أكثر مرونة، بما يتيح للبلدين إمكانية المقايضة بأسعار زهيدة أو استخدام عملتيهما الوطنيتين في المعاملات الثنائية، وهو ما يمنح مصر هامشاً من المرونة المالية قد لا تجده في الشراكات الغربية التقليدية.
وقد أشار مقال «فيدوموستي» إلى هذه النقطة باعتبارها أحد أهم عوامل الجذب في العرض الصيني.
وفي المقابل، يحذر خبراء اقتصاديون، وفقاً لما نقله المقال، من أن التكلفة الحقيقية لقبول العرض الصيني قد تكون أكبر بكثير من التكلفة المادية المباشرة، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على «هواوي» وشركات صينية أخرى لسنوات، مستخدمة ما يُسمى «العقوبات الثانوية» لمعاقبة أي منظمة أو دولة تتعامل معها في مجالات حساسة. وإذا قررت مصر اتباع النهج الصيني، فقد تواجه، بحسب التحذيرات التي أوردها المقال، سلسلة من التداعيات، من بينها تجميد أو تقليص المساعدات الاقتصادية الأمريكية لمصر، التي تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليار دولار سنوياً، وخسارة الاستثمار الأجنبي المباشر في حال تدهور العلاقات الأمريكية المصرية، إلى جانب خسارة فرص التصدير الرقمي إلى الأسواق الغربية، لا سيما في القطاعين المالي والطبي، حيث تسعى مصر لتصبح مركزاً إقليمياً لتصدير خدمات التعهيد وتطوير البرمجيات إلى أوروبا والأمريكتين، كما تشمل هذه التداعيات ارتفاع تكاليف الاقتراض نتيجة تخفيض وكالات التصنيف الائتماني لمصر أو تغيير توقعاتها، بما سيرفع أسعار الفائدة على السندات المصرية، ويؤدي إلى تكاليف إضافية لخدمة الدين تزيد على 800 مليون دولار سنوياً.
إلى جانب ذلك، فقد تؤدى هذه الفرصة الاقتصادية إلى ظهور تحدٍ آخر يتعلق بالاعتماد التكنولوجي، فقبول التكنولوجيا الصينية في قطاعات حساسة قد يربط مصر بمنظومة تقنية قد تكون عرضة للعقوبات في أي لحظة، ويحد من قدرتها على المناورة مستقبلاً، خاصة إذا ما تفاقمت التوترات بين واشنطن وبكين.
ومن هنا، يطرح المقال سؤالاً حول إمكانية أن تتبنى مصر التكنولوجيا الصينية دون أن تخسر شراكاتها الغربية، وما إذا كان الأمر يتطلب نهجاً أكثر تعقيداً في التعامل مع الجانبين.
وفي المقابل، يؤيد فريق آخر من المحللين وجهة نظر مغايرة، إذ يرون أن مصر في أمسّ الحاجة إلى تعزيز نموها الرقمي، وأن انتظار البدائل الغربية قد يؤدي إلى تأخرها لعقد من الزمن في معركة لا يمكنها فيها تحمل التخلف عن الركب ويستشهد هؤلاء بتجارب دول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا، اللتين واصلتا التعاون مع «هواوي» رغم الضغوط الأمريكية، ونجحتا في ذلك، بما في ذلك بناء بنية تحتية رقمية قوية دون أن تنهار اقتصاداتهما أو تتعرض لانتكاسات كبرى.
ويشير هؤلاء المحللون إلى أن التطورات الحالية تمثل تحولاً في طبيعة المنافسة التكنولوجية العالمية، فعندما تمتلك الدول مراكز بيانات متطورة، لم يعد الأمر يقتصر على سرعة الحوسبة، بل أصبح يتعلق أيضاً بالقدرة على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، وتحليل كميات هائلة من البيانات، وإنشاء تطبيقات في قطاعات مثل الطب والتعليم والطاقة والزراعة والتصنيع والأمن.
ومن هذا المنظور، فإن الدولة التي تتمتع ببنية تحتية رقمية متطورة لا تمتلك المعدات فحسب، بل تمتلك أيضاً جزءاً من الإمكانات الاقتصادية والاستراتيجية للمستقبل. وبالتالي، قد تبرز القاهرة كفائز رئيسي في هذه المنافسة إذا ما تمكنت من الحفاظ على التوازن الأمثل بين القوى المتنافسة. فوجود قوتين عظميين تتنافسان على التكنولوجيا والاستثمار والبنية التحتية قد يمنح مصر مجالاً للمناورة وتحسين شروط أي اتفاق، وهو ما قد لا يتوافر لديها في غياب هذا التنافس. إلا أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب اتخاذ قرارات تستند إلى معايير تشمل التكلفة والإنتاجية والأمن وحماية البيانات ونقل التكنولوجيا والتدريب وقابلية التوسع والقدرة على تجنب التبعية طويلة الأمد.
ومن المرجح أن يكون النهج الهجين هو الحل الأمثل، من خلال استخدام التكنولوجيا الصينية في القطاعات المدنية غير الحساسة التي لا تخضع للعقوبات الأمريكية، مع الحفاظ على القطاعين المالي والعسكري ضمن الأطر الغربية.
غير أن هذا النهج يتطلب مفاوضات مطولة ومستمرة مع كلا الجانبين، وضمانات خطية منهما بعدم فرض عقوبات على المشروعات غير المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي. والأهم من ذلك، أن تتطور الصفقة من مجرد شراء معدات إلى مشروع لإنشاء صناعة رقمية مصرية حقيقية، من شأنها زيادة تطوير الإمكانات المصرية المستقلة، من خلال تدريب المهندسين المصريين، وإشراك الجامعات والشركات المحلية في تشغيل وصيانة مراكز البيانات، ودعم الشركات الناشئة، ونقل المعرفة التقنية، بدلاً من الاقتصار على مجرد استيراد المعدات الجاهزة. فبناء القدرات المحلية هو الضمانة الوحيدة لتحويل أي استثمار تكنولوجي إلى نهضة حقيقية مستدامة.
واختتم مقال «فيدوموستي» بعرض وجهة نظر غانم ليليا، المحاضر البارز في قسم الاقتصاد العالمي والتمويل الدولي بالجامعة المالية التابعة لحكومة روسيا الاتحادية، الذي يرى أن نجاح مصر في هذا المسعى سيخلق مستفيداً اقتصادياً آخر في ساحة التنافس بين القوى العظمى. علاوة على ذلك، سيختبر قرار مصر في نهاية المطاف قدرة الاقتصادات النامية على المناورة في ظل هذا التنافس دون المساس باحتياطياتها ومستقبل مواطنيها.
مروة أحمد عبد العليم تكتب: كيف تدير مصر معركة البنية الرقمية والموازنة بين واشنطن وبكين؟








