طاهر إدريس يكتب :جريمة” وأد ” على محور عمرو بن العاص

على طالعة حي الهرم الجديدة – محور عمرو بن العاص ومن اتجاه دائري السلام وأثناء عبوري متوجها لمسقط رأسي عزبة الفلاحة حيث تقديم واجب العزاء في وفاة زوجة عمي رأيت مشهداً تقشعر له الأبدان فهو لم يكن مشهدا عابرا.
طفل حديث الولادة لحمه طري حبله السري لا يزال شاهدا على أنه جاء للدنيا منذ ساعات، ملقى على جانب الطريق كأنه كيس قمامة.. ميت. عليه علامات دم الولادة. مشهد سيزال عالقاً برأسي لن ولم تمحوه أحداث الأيام المتعاقبة.
رأيت النيابة وقد وصلت، مباحث الهرم طوقت المكان، والإسعاف تستعد لنقله إلى ثلاجة الموتى. لكن من سينقل لي بشاعة ما رأيته؟ من سيمسح من ذاكرتي هذا المنظر الذي يلخص انهيار كل شيء؟هذا ليس حادثا هذه جريمة مكتملة الأركان.
من قتل هذا الطفل؟ والإجابة هي :
الذي ألقاه هو القاتل. التي حملت به تسعة أشهر ثم نزعته من رحمها وألقت به للكلاب والسيارات لتدهسه هي القاتلة. والذي شاركها لحظة السفاح في الحرام وتركها تواجه مصيرها وحيدة هو القاتل الأول.
هذا الطفل لم يمت من البرد، مات من العار. مات من الخوف. مات من مجتمع أصبح يتستر على الفاحشة ويفضح الضحية.
يا سادة نحن أمام جريمة زنا تحولت إلى جريمة قتل. قانونا تسمى “قتل عمد” وشرعا تسمى “وأد”. كنا نظن أن الوأد انتهى في الجاهلية، فإذا به يعود على محور عمرو بن العاص في وضح النهار.
ظاهرة أطفال السفاح.. القنبلة المسكوت عنها، ما حدث اليوم في الهرم ليس الأول، ولن يكون الأخير.
كل يوم، في مقلب زبالة، تحت كوبري، داخل حمام مسجد، أمام مسجد، في ترعة، جثة طفل سفاح.
الأرقام مفزعة ومرعبة، ودور الرعاية مليئة بأطفال لا ذنب لهم سوى أن آباءهم كانوا حيوانات تلهث وراء شهوة دقيقة، وأمهات نزعن من قلوبهن الرحمة.
هذا الطفل الذي رأيته اليوم على محور عمرو بن العاص، كان يصرخ. صرخة لم يسمعها أحد. كان يبحث عن حضن أم، فوجد أسفلت ساخن من شدة حرارة الجو كان يبحث عن لبنا فوجد ترابا. حتي فارق الحياة عريانا جوعانا كان محتاجا لحضن أم تحنو عليه لأب شرعي يرعاه.
هذه ليست جثة مجهولة، هذه قضية رأي عام، لذلك نريد تشريعا جديدا. نريد قانونا يعتبر إلقاء طفل حديث الولادة ” قتل عمد مع سبق الإصرار “.
ورسالتي إلى كل شاب وفتاة :
يا من تظن أن الحرام شطارة.. هذه هي النهاية. طفل ميت على الرصيف سيسألك يوم القيامة: بأي ذنب قتلت؟
ويا من تفكرين في التخلص من طفلك خوفا من الفضيحة.. الفضيحة ليست في الاعتراف به، الفضيحة في قتله. هناك ألف باب حلال، دار رعاية، باب مسجد، مستشفى تتركه فيه بدلاً من أن تقتله حرارة الشمس.
أكرر منظر اليوم في الهرم لن أنساه. طفل عريان منزوع منه حتي قطعة قماش مثلما نزعت الرحمة ممن أتوا به للحياة مرمي كأنه ليس بشرا.
لقد مات الطفل.. لكن ضميرنا هو الذي يجب أن يُسعف قبل أن يموت هو الآخر.
طاهر إدريس يكتب :جريمة” وأد ” على محور عمرو بن العاص







