آراء

ياسر السجان يكتب: احترس.. العدو في بيتك!

إن ما تتعرض له الأمة العربية اليوم ليس مجرد تعثر اقتصادي عابر ولا موجة غلاء عالمية كما يحاولون إقناعنا، بل هو مخطط جهنمي مدروس بعناية فائقة تقوده الولايات المتحدة الأمريكية رأس الشر في هذا العالم، بعد أن فشلت كل أدواتها القديمة في إسقاط الدولة الوطنية العربية، حين أشعلت ما يسمى بالربيع العربي الذي لم يكن ربيعا بل كان خريفا دمويا أسقط بغداد وصنعاء ودمشق وطرابلس وتركهم جثثا ممزقة تتنازعها الميليشيات والطائفية والعمالة.

لقد أدركت واشنطن أن الشعوب استيقظت وأن لعبة الميادين والشعارات البراقة عن الحرية والديمقراطية لم تعد تنطلي على أحد، خاصة بعد أن رأى الجميع كيف تحولت تلك الشعارات إلى خراب ودمار وتقسيم، فقررت أن تغير سلاح المعركة من البندقية إلى الرغيف ومن الدبابة إلى الدولار، فكان المخطط الجديد الذي نسميه اليوم الخريف الاقتصادي وهو أخطر وأخبث من كل ما سبق، لأنه لا يقتل الجسد مرة واحدة بل يقتله كل يوم ببطء ويدفع المواطن ليكفر بوطنه بيديه.

إن أولى التحديات التي نواجهها اليوم هي حرب الوعي، فالعدو لم يعد على الحدود بل أصبح داخل هاتفك يبث لك ليل نهار أن وطنك فاشل وأن جيشك عبء وأن مستقبلك ضائع وأن الحل هو الهجرة أو الفوضى، وهو يصنع لك أزمة من لا شيء ويضخم لك مشكلة صغيرة حتى تظن أن العالم انتهى، بينما الحقيقة أن العالم كله يئن من نفس الأزمات لكنهم لا يسلطون الضوء إلا علينا.

أما التحدي الثاني فهو سلاح الدولار الأمريكي الذي تحول من عملة إلى صوت يجلد به كل من يقول لا لأمريكا، فبقرار واحد من الفيدرالي الأمريكي ترتفع الأسعار في القاهرة وبغداد وتونس والخرطوم، وبقرار واحد من وزارة الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات غير مباشرة تخنق الاستيراد وتوقف المصانع وتمنع الدواء وقطع الغيار، ثم يخرج علينا إعلامهم المأجور ليقول إن سبب الأزمة هو سوء الإدارة وليس الحصار الاقتصادي المقنع.

والتحدي الثالث هو فزاعة الحروب الشكلية التي تدار بالريموت كنترول، وأكبر مثال عليها تلك المسرحية الهزلية المسماة بالحرب الأمريكية الإيرانية التي نسمع عنها منذ عشرين عاما ولم تحدث ولن تحدث، لأنها ببساطة مصلحة مشتركة، فأمريكا تحتاج فزاعة إيران لتبيع سلاحها لدول الخليج وتبرر وجود قواعدها، وإيران تحتاج فزاعة أمريكا لتبرر فشلها الداخلي وتصدر أذرعها الميليشياوية، وكلاهما يتفق على أن يكون العرب هم الضحية والخاسر الوحيد، فكلما ارتفع التوتر في هرمز ارتفع سعر الشحن والتأمين ودفع المواطن العربي الفاتورة من قوته وقوت أولاده.

والتحدي الرابع هو محاولة ضرب الشريان الأخير للأمة وهو مصر قلب العروبة النابض وآخر جيوشها الباقية واقفة على قدميها، إنهم يعلمون جيدا أن مصر إذا سقطت اقتصاديا سقطت معها كل فكرة عن دولة وطنية مستقلة في المنطقة، وأنها إذا انكسرت انكسر ظهر العرب جميعا، لذلك تراهم يركزون كل سهامهم عليها حصارا اقتصاديا غير معلن وتشويها إعلاميا ممنهجا وضغطا من صندوق النقد وشائعات لا تتوقف عن الإفلاس والتعويم.

والتحدي الخامس وهو الأخطر هو محاولة محو ذاكرة الدم والتضحيات التي حفظت لنا وطنا لنبكي عليه اليوم، فكيف ننسى أن هذا الوطن لم يبق واقفا إلا بدماء رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من جيشنا الباسل وشرطتنا الوطنية، أولئك الرجال الذين قدموا أرواحهم فداء لهذا التراب في سيناء وفي كل شبر من أرض مصر وهم يحاربون إرهابا أسود ممولا من نفس دول الشر التي تدعي اليوم أنها تحارب الإرهاب، كم شهيدا ودعنا وكم بيتا فقد عائله وكم أما ثكلى وكم طفلا تيتم ليبقى العلم مرفوعا والمسجد والكنيسة آمنين، إنهم يريدون منا أن ننسى كل هذا الدم الطاهر وأن نختزل الوطن في سعر سلعة أو رقم دولار حتى نكفر بتلك التضحيات العظيمة ونطعن جيشنا وشرطتنا في ظهورهم بعد أن حمونا بصدورهم.

يا أبناء هذه الأمة إن معركة اليوم ليست معركة حكومة ولا نظام بل معركة بقاء ووجود، إما أن نصطف جميعا خلف أوطاننا وجيشنا وشرطتنا ونتحمل ضيق اليوم وفاء لدماء الشهداء وصبر الرجال، وإما أن نتركها فريسة لدول الشر فتأكلنا جميعا بلا رحمة، إن الوعي هو السلاح وإن الصبر هو الجهاد وإن مصر ستظل بإذن الله عصية على كل خريف لأنها أرض رويت بدماء جيشها وشرطتها وجذورها ضاربة في عمق التاريخ ولن تنكسر مهما اشتدت عليها المؤامرات.

زر الذهاب إلى الأعلى