عبدالعظيم القاضي يكتب :أمسك حرامي

أمسك حرامي، كلمة كنا نسمعها قديما عندما يقع لص غير محترف داخل حارة أو شارع مليئ بالرجال، فيتكاتف ابناء الحي في القبض عليه، وينال عقابة اولا من الضرب والتسوية بأيدي الناس، ثم يتم تسليمه إلى الجهات المختصة، ويكون بعد هذا العقاب قد نسي عنوان بيته.
الان الحرامي والفاسد ظهر أمام الجميع في واقعة اقل وصف لها انها كارثة بكل المقاييس.
من يتوقع انهيار كوبري علوي يمر أعلى مجرى مائي قبل تشغيله ودخوله الخدمة؟ وماهي الأسباب وراء ذلك، وهل يفلت الجناه من العقوبة، وما حجم الفساد الذي ترتب على هذا العمل، وما هو الموقف لو تم تسليمه وانهار عقب تشغيله؟
أسئلة عديدة تبحث عن إجابة مقنعة ومبرر فعلي لتلك الكارثة،ان انهيار كوبري حيوي قبل تشغيله يفتح ملف الفساد وغياب الرقابة الهندسية.
إهدار للمال العام في وضح النهار، هل هي مشاريع على رمال موحلة، ام ان شبح الفساد يلاحق البنية التحتية ويطيح بالكباري قبل تدشينها.
من المتوقع حدوث تبادل الاتهامات للشركات المنفذة بالاعتماد على خامات رديئة والتهرب من الرقابة، ام ان هناك حلقة التواطؤ والإسناد بالأمر المباشر، وتوظيف مقاولي باطن من الباطن لتعظيم الأرباح على حساب الأرواح؟ .
كالعادة سيتم تشكيل لجان تقصي حقائق ومحاسبة المقصرين وفحص كافة المشروعات المشابهة، وفي النهاية تغلق الملفات وتضيع الحقائق وسط لجان التحقيق، دون أن يعلم المواطن اين تكمن الحقيقة.
هل تحولت مشاريع البنية التحتية وتشييد الجسور والطرق في بعض المناطق إلى مادة دسمة للجدل والغضب الشعبي، لا سيما عندما تتكشف فصول كارثة هندسية تتمثل في انهيار أو تصدع كوبري أو جسر رئيسي قبل افتتاحه رسمياً أو دخوله مرحلة التشغيل الفعلي. هذا الانهيار المبكر لا يعد مجرد حادث عابر، بل هو انعكاس صارخ لشبكة معقدة من الفساد الإداري والمالي، وضعف منظومة الإشراف والمتابعة الهندسية.
أظهرت المعاينات الأولية والتقارير الفنية في وقائع مشابهة لسقوط جسور قبل استلامها نهائياً وجود حزمة من الثغرات الممنهجة، يمكن تلخيصها فيما يلي على سبيل المثال وليس الحصر.
استخدام خامات ومواد غير مطابقة للمواصفات التي يلجأ إليها بعض المقاولين لتقليص التكاليف وزيادة هامش الربح على حساب الجودة، من خلال استخدام حديد تسليح أقل قطراً وصلابة، أو خرسانة مسلحة لا تحوي النسب المطلوبة من الأسمنت، أو مغشوشة لا تتحمل الأحمال التصميمية الدنيا.
كما أن غياب الرقابة وضعف دور لجان الإشراف، غياب “دائرة المهندس المقيم” وعدم جدية المكاتب الاستشارية في إجراء الاختبارات الحقلية والمختبرية اللازمة للتربة والأساسات والجسور الخرسانية قبل الشروع في المراحل النهائية من الإكساء والتبليط.
كما أن هناك حلقة غريبة تجري في تلك الأعمال من خلال اسناد المشروعات الكبرى أحياناً بطريقة تمرير عبر عدة شركات “من الباطن”، حيث تقتطع كل جهة وسيطة نسبة من ميزانية المشروع، ليتبقى للشركة المنفذة الفعلية جزء زهيد لا يكفي لتنفيذ المشروع بالمواصفات القياسية المطلوبة، مما ينتهي بكارثة إنشائية.
النتيجة النهائية لتلك المنظومة ضياع ملايين أو مليارات العملات التي تضخ من خزينة الدولة لتطوير البنية التحتية دون عائد حقيقي، بل والاضطرار لتخصيص ميزانيات إضافية لإزالة الركام وإعادة الإنشاء.
كما أن وقوع تلك الأحداث يؤدي إلى زعزعة الثقة الشعبية وخلق حالة من فقدان الثقة بين المواطنين والجهات التنفيذية، وتحويل مشروعات التنمية التي تُرفع فيها شعارات الإنجاز إلى مصدر دائم للقلق والخوف.
ناهيك عن الخسائر البشرية والمادية المباشرة في تعريض حياة العمال والمواطنين للخطر، وتدمير الآليات والمعدات الثقيلة، وإحداث شلل مروري في حال كانت الطرق مرتبطة بمحاور استراتيجية.
في النهاية لابد من إحالة جميع المتورطين من مهندسين مقيمين، ومقاولين، ومسؤولين محليين إلى تحقيقات قضائية عاجلة، وكشف نتائج التحقيقات للرأي العام بشفافية تامة في محاكمة علنية حتى يكون المتسبب في ذلك عبرة لمن يعتبر.
عبدالعظيم القاضي يكتب :أمسك حرامي








