آراء

فاطمة صديق تكتب : وسادة الأمان والجزر المنعزلة

منذ لحظة ميلادنا الأولى، نأتي إلى هذا العالم لا نبحث إلا عن شيء واحد: الاتصال.

نولد محتاجين إلى دفء أم، ونكبر مترابطين مع رفاق وأحباب، ونرحل ونحن بحاجة لمن يحمل نعشنا ويدعو لنا بالسلام. ورغم هذه الحقيقة الوجودية الساطعة، يطل علينا العصر الحديث بوهمٍ برّاق يُدعى “الاستقلال التام والاكتفاء الذاتي المطلق”، كأن الإنسان يمكنه أن يكون جزيرة معزولة في محيط الحياة. لكن الحقيقة التي تثبتها الأيام، ويسندها العلم والتاريخ، هي أننا لسنا جُزراً معزولة، بل نحن أجزاء من قارة واحدة؛ يكمل كل منا الآخر.

العزلة الطويلة ليست مجرد خيار شخصي بالابتعاد، بل هي تدمير صامت للصحة النفسية والعقلية. غياب التفاعل الاجتماعي يوقع الإنسان في فخ “الاجترار النفسي”؛ حيث تدور الأفكار السلبية في حلقة مفرغة داخل العقل دون منافذ للتهوية، مما يمهد الطريق للاكتئاب والقلق المستمر وتدهور القدرة على التركيز واتخاذ القرارات.

وفي المقابل، لا يتطلب الأمر جيشاً من البشر لينجو الإنسان؛ فالعلماء يتحدثون عما يُعرف بـ “الدعم المُدرك”، وهو مجرد شعور الإنسان الواثق بأن هناك “كتفاً” متاحاً للاستناد عليه عند الحاجة، حتى لو لم يستخدمه فعلياً. هذا اليقين النفسي يعمل كـ “وسادة أمان” .

وجاء عالم الاجتماع ابن خلدون ليؤكد الحقيقة ذاتها في مقدمته الشهيرة: “الإنسان مدني بالطبع”.
هذه المدنية ليست رفاهية، بل هي ضرورة بقاء. فهناك سلسلة غير مرئية من الاعتماد المتبادل، و قوتنا لا تكمن في قدرتنا على الاستغناء، بل في تكاملنا.

المجتمع القوي هو تجسيد حي للحديث النبوي الشريف: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً”. إنه نظام يتأسس على كفالة الجماعة للفرد ومؤازرة الفرد للجماعة، حيث تتحول الأنانية إلى تكافل، وعقلية الشح إلى عقلية وفرة.

لكن، هل يعني هذا الاحتياج المتبادل أن نفتح أبوابنا على مصراعيها بلا قيود؟

هنا يكمن الذكاء الإنساني. فالعلاقات الصحية لا تعني الذوبان او الإعتمادية المرضية التي تحدث عندما يختل ميزان الأخذ والعطاء، أو عندما يتحول الدعم الاجتماعي إلى ضغط عبر نصائح متكررة تُلغي خصوصية الفرد وتشعره بالعجز.

نحن بحاجة إلى مساحة آمنة تنطوي على احترام الحدود الشخصية. العلاقات تشبه أوتار العود؛ تهتز معاً لتصدر نغماً واحداً مشجياً، ولكن يظل كل وتر مشدوداً على حدة، محتفظاً بكيانه ومساحته الخاصة.

في نهاية المطاف، الاعتراف بحاجتنا للآخرين ليس دليلاً على الضعف أو قلة الحيلة، بل هو أسمى درجات النضج الإنساني. الحياة ليست سباقاً فردياً محموماً، بل هي رحلة جماعية .

لنعبر هذا الجسر معاً، ولنكن لبعضنا البعض سنداً، ووسادة أمان، ومرآة ترى أجمل ما فينا.

فاطمة صديق تكتب : وسادة الأمان والجزر المنعزلة

زر الذهاب إلى الأعلى