آراء

م. خالد محمود خالد يكتب:ازمة عقل وطريق الهروب المريح

لم تعد ازمة التنمية في العالم العربي ازمة موارد بل ازمة عقل، فالعقود الماضية اثبتت ان امتلاك النفط لم يكن ابدا ضمانة للتقدم، بل في حالات كثيرة كان طريقا مريحا للهروب من التنمية الحقيقية، حيث جرى استبدال بناء المجتمع ببيع الخام، واستبدال الصناعة بالانفاق، واستبدال العمل بالرفاهية السهلة.

النموذج الخليجي في جوهره قام على معادلة كسولة، استخراج النفط وبيعه ثم تحويل العائد الى رفاهية استهلاكية دون بناء قاعدة انتاجية حقيقية، وهو نموذج لم يحتقر الصناعة فقط بل استغنى عن المجتمع نفسه، فالدولة التي تحصل على دخلها من الخارج لا تحتاج الى شعب منتج، ولا ترى في العامل قيمة، ولا في المصنع ضرورة، بل يصبح المجتمع عبئا اداريا لا شريكا اقتصاديا.

هذه الدول لم تفشل لانها تملك النفط، بل لان النفط اعفاها من طرح السؤال الصعب، كيف نبني اقتصادا يعيش بعد النفط، فطالما كانت الاموال تتدفق لم يكن هناك حافز لتطوير التعليم الصناعي، ولا لخلق طبقة عاملة حقيقية، ولا لبناء معرفة تقنية، فكانت النتيجة رفاهية بلا جذور، ومجتمعات استهلاكية، واقتصادات عاجزة عن الوقوف دون الخام.

وعندما تاخر الزمن وبدأت بعض هذه الدول تتحدث عن تنويع اقتصادي، كان ذلك اقرارا متاخرا بان بيع النفط لم يكن تنمية، بل مسكنا طويل المفعول اخفى المرض ولم يعالجه، فالتنمية لا تقوم على المال وحده، بل على علاقة صحية بين الدولة والمجتمع، علاقة تقوم على العمل والانتاج والاعتماد المتبادل.

على النقيض من ذلك تقف دول مثل الولايات المتحدة، التي تنتج النفط والغاز بكثافة لكنها لا تبني اقتصادها على بيعهما، فالطاقة هناك تستخدم قبل ان تصدر، وتوجه للصناعة والزراعة وخفض تكلفة الانتاج، ولهذا تظل الدولة محتاجة الى المجتمع، محتاجة الى العامل والمهندس والفني، لان الدخل الحقيقي يتولد من النشاط الاقتصادي وبالتالى تكون الضرائب على الانشطة الاقتصادية مصدر دخل خزانة الدولة بدلا من تصدير الخام ، وتشجيع الانشطة الاقتصادية من اجل زيادة تمويل خزانة الدولة للانفاق على المشاريع السيادية مثل الدفاع والامن القومى حتى وصل الامر الى ان اصبحت امريكا تنفق على مشاريع الدفاع للدول المجاورة والحليفة من فرط تدفق الدخل القومى الناتج عن الانشطة الاقتصادية والضرائب والتى تحقق فائض يسمح لها. بذلك .

الفرق الجوهري هنا ان الاقتصاد المنتج يحتاج الى شعبه، بينما الاقتصاد الريعي يستطيع العيش بدونه، وهذا الفرق هو ما يحدد مصير الدول على المدى الطويل، فالدولة التي لا تحتاج الى عمل مواطنيها لا تستثمر فيهم، ولا تبني لهم مستقبلا، بل تشتري هدوءهم مؤقتا بالانفاق.

من هنا تظهر الاهمية العميقة للطاقة النووية، فهي ليست مجرد مصدر كهرباء، بل اختبار قاس لعقل الدولة، لانها طاقة لا تباع، ولا تتحول الى ريع، ولا تصلح للحلول السريعة، بل تفرض التخطيط والانضباط وبناء الكوادر وربط الطاقة بالصناعة، وهي بذلك تقف على النقيض المباشر من نموذج بيع النفط الخام.

الطاقة النووية تجبر الدولة على ان تعود للاعتماد على مجتمعها، فلا تشغيل بلا مهندسين، ولا صيانة بلا فنيين، ولا استثمار بلا صناعة، وهي بذلك تعيد الاعتبار لقيمة العمل التي سحقها الاقتصاد الريعي لعقود، وتجعل التنمية مسارا الزاميا لا خيارا تجميليا.

الرهان على الطاقة النووية هو رهان على الحلول الجذرية لا المسكنات، وعلى بناء دولة تعيش بالانتاج لا بالبيع، وعلى مجتمع يعمل لا يستهلك، فبيع الخام قد يصنع رفاهية عابرة، لكنه لا يصنع امة، اما استغلال الطاقة في الصناعة فهو الطريق الاصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يبني مستقبلا بعد ان ينتهي النفط وتسقط اوهام الوفرة.

م. خالد محمود خالد يكتب:ازمة عقل وطريق الهروب المريح

زر الذهاب إلى الأعلى