مهندس خالد محمود خالد يكتب: التقدم الذكي في المشروعات وكيف تسبق بخطوات دون أن تجمّد أموالك

في إدارة المشروعات لا يكون التفوق دائمًا لمن يبدأ أولًا، بل لمن يعرف متى يبدأ، وبأي تكلفة، وتحت أي مستوى من المخاطرة. هناك فرق جوهري بين الحركة العشوائية والحركة المدروسة، وبين الإسراع غير المحسوب والتقدم الاستراتيجي الذكي.
كثير من المشاريع تتعثر ليس بسبب ضعف التنفيذ، ولا بسبب نقص الكفاءة الفنية، وإنما بسبب سوء توقيت الالتزام المالي. المدير المتحمس قد يسعى لإثبات الجدية عبر الإنفاق المبكر: استقدام عمالة، توريد معدات، نقل كرافانات، إصدار أوامر شراء، أو الدخول في التزامات تعاقدية قبل أن تنضج البيئة التنفيذية بالكامل. فيبدو المشهد نشطًا، بينما الواقع المالي يصبح مثقلًا بأموال مجمدة لا تحقق عائدًا.
التقدم الحقيقي لا يعني الإنفاق المبكر، بل يعني تقليل المسافة الزمنية بين صدور الإذن الرسمي وبداية التنفيذ الفعلي. وهذا يتحقق عبر ما يمكن تسميته “الجاهزية منخفضة التكلفة”. أي أن تُنجز كل ما يمكن إنجازه دون أن تدخل في التزام مالي كبير أو غير قابل للتراجع.
في هذه المرحلة، يتركز العمل على مراجعة الرسومات بدقة، إنهاء الاستفسارات الفنية، إعداد خطط التنفيذ، تجهيز قوائم المواد، التنسيق المبدئي مع الموردين، وضع خطة القوى العاملة، وتحضير المستندات اللازمة للاعتمادات. هذه خطوات لا تستهلك سيولة عالية، لكنها تختصر وقتًا ثمينًا لاحقًا.
الخطأ الشائع أن يُخلط بين الجاهزية والالتزام. الجاهزية تعني أنك مستعد للحركة فور صدور التصريح. أما الالتزام فهو أن تدفع مقدمات، وتوقع عقودًا، وتستقدم موارد، قبل أن تتأكد من أن المسار الإداري مفتوح بالكامل. الأول يزيد مرونتك، والثاني يقيّدك.
في المشاريع الكبرى، السيولة ليست مجرد رقم في الحسابات، بل هي أداة قوة. كل مبلغ يتم تجميده مبكرًا يقلل من قدرتك على المناورة، ويضعف مركزك التفاوضي، ويزيد من ضغط التدفقات النقدية. بل وقد يجبرك لاحقًا على اتخاذ قرارات متسرعة لتعويض الوقت الضائع أو لتغطية المصروفات الثابتة.
الإدارة الناضجة تدرك أن هناك لحظة مثالية للالتزام المالي؛ لحظة يصبح فيها العائد الزمني أكبر من المخاطرة المالية. قبل هذه اللحظة، يكون التركيز على الإعداد والتحليل والتنسيق. بعدها فقط يبدأ الصرف المدروس.
التقدم الذكي إذن ليس في أن تتحرك بسرعة، بل في أن تختار خطواتك بعناية. أن تسبق زمنيًا دون أن تُرهق نفسك ماليًا. أن تبني جاهزية كاملة، لكن تحتفظ بمرونة القرار. وأن تدفع في آخر نقطة آمنة، لا في أول نقطة ممكنة.
في عالم المشروعات، من لا يدير السيولة بذكاء، لن تنقذه السرعة مهما كانت. أما من يوازن بين الزمن والمال، فسيصل أولًا… بأقل تكلفة وأعلى كفاءة.
مهندس خالد محمود خالد يكتب: التقدم الذكي في المشروعات وكيف تسبق بخطوات دون أن تجمّد أموالك







