د. الحبيب النوبي يكتب: مات خامنئي .. عاشت إيران

لا تحتاج هذه اللحظة إلى كثير من التحفّظ. ما تتعرض له إيران يتجاوز جولة عسكرية عابرة أو ضغطًا تكتيكيًا لتحسين شروط التفاوض؛ نحن أمام عملية تفكيك ممنهجة لبنية حكم استمرت أكثر من أربعة عقود.
وفي قلب هذه البنية كان المرشد الإيراني علي خامنئي، بصفته العُقدة التي ربطت الشرعية الدينية بالقرار الأمني، ووفّرت للحرس الثوري غطاءً سياسيًا، ومنحت “مجلس خبراء القيادة” وظيفة شكلية أكثر ممّا منحته قدرة فعلية على ضبط المسار.
قبل أكثر من ثمانية أشهر، كُتبت أن اغتيال المرشد الإيراني مسألة وقت، وأن نهاية “نظام المرشد الأعلى” لم تعد فرضية بعيدة، بل مسارًا يتشكّل ببطء تحت ضغط الضربات العسكرية، والاختراقات الأمنية، وانهيار الحزام الإقليمي الذي أحاط بطهران لعقود.
يومها، بدا الكلام لكثيرين تقديرًا متشددًا أو قراءة متسرعة لمشهد متحرك، لم يعد الأمر تقديرًا، فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب صراحة مقتل علي خامنئي، واصفًا إياه في منشور على “تروث سوشال” بأنه “أحد أكثر الأشخاص شرًا في التاريخ”.
مفارقة موقع المرشد في النظام السياسي الإيراني إنه ظل محل نقد من الداخل والخارج، ففي داخل إيران ظل هناك تيار إصلاحي يري إن صلاحيات المرشد يجب أن تظل روحية ودينية رمزية وأن يقتصر دوره كما كتبت مرة “الإرشاد الديني”، أما في الخارج فقد ظل ينظر إليه وخاصة في الأوساط الغربية على إنه رجل دين متشدد رفض الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية.
الداخل الإيراني عارضه على عيوبه و ترامب ربما على مميزاته، وبقيت المشكلة هيمنه رجل دين بصلاحيات مطلقة على المؤسسات المدنية المنتخبة، ولكنه سمح بهامش للتنافس بين أجنحة النظام (إصلاحيين ومحافظين) أعطت للنظام قدر من الحيوية الداخلية.
صحيح أن منظومة المرشد أجهضت حلم تداول السلطة مع التيار الإصلاحي الحقيقي بالتدخل في انتخابات ٢٠٠٩ ومنذ ذلك التاريخ أصبح التنافس بين المحافظين والإصلاحيين باهتا وخرج المعارضون إلي الشارع وتركوا العملية الانتخابية والمسار الشرعي بعد أن أصبح التنافس بين محافظين مرتبطين بالمرشد وإصلاحيين يرضي عنهم.
بغياب المرشد قد تكون إيران أمام فرصة لإصلاح جراحي لنظامها بعد أن ثبت أن النظم التي تحترم شعوبها ولا تقمعه ولها قاعدة اجتماعية حقيقية هي القادرة على مواجهة تحديات الخارج واختراقاته.
صحيح أن الجمهورية الإسلامية لم تُبنَ كنظام تداولي قابل لتجديد شرعيته عبر السياسة، بل كهيكل هرمي يتمحور حول المرشد، وصحيح أن القرار النهائي كان يمر من مكتب خامنئي.
سقف السياسة الخارجية، حدود اللعبة الداخلية، ضبط التوازن بين أجنحة السلطة، وتحديد المسموح والممنوع في المجتمع.
بينما يُعرب مؤيدو العدوان الأمريكي والإسرائيلي عن دعمهم المطلق لهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنهم يلتزمون صمتًا مطبقًا حيال الترسانة النووية الإسرائيلية المجاورة…
وبالمثل، يُكثر الحديث عن “الإرهاب” دون التطرق إلى أسبابه الجذرية: عقود من الحروب الإقليمية والاحتلال، إلى جانب التطهير العرقي والتجريد من الإنسانية.
لقد بات النفاق وازدواجية المعايير أمراً يفوق الوصف
غير أن انهيار الرأس يفتح ثلاثة أبواب متنافسة، لا بابًا واحدًا.
الأول: محاولة سريعة لإعادة إنتاج السلطة من داخل الدائرة الضيقة، عبر “مجلس خبراء القيادة” أو عبر تفاهم تفرضه القوة على الورق، مع تشديد أمني واسع تحت شعار “العدوان”.
هذا السيناريو يحافظ على الشكل، لكنه لا يُطفئ أسباب السخط، وقد يشتري وقتًا قصيرًا بثمن سياسي أكبر.
الثاني: صراع داخل المؤسسة يطول، تتنافس فيه الأجنحة على الشرعية والسلاح والموارد، ما يضعف الدولة ويخلق فراغًا تتسع فيه الاضطرابات.
في دولة تملك بنية عسكرية معقدة، هذا السيناريو يرفع المخاطر على الداخل والإقليم معًا.
الثالث: انتقال مُدار، يُدرك فيه جزء من النخبة أن بقاء الدولة يقتضي مراجعة عميقة: إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع، تخفيف القيود الاجتماعية، فتح المجال السياسي تدريجيًا، والانخراط في تسوية خارجية جدية تقلل ضغط العقوبات.
هذا المسار هو الأصعب، لكنه الأكثر قدرة على تجنيب البلاد دورة عنف طويلة.
د. الحبيب النوبي يكتب: مات خامنئي .. عاشت إيران








