ياسر السجان يكتب :الاقتصاد غير المرئي

الاقتصاد الموازي في مصر ليس ظاهرة جديدة بل هو واقع يمتد لعقود طويلة ويضم ملايين المواطنين الذين يعملون خارج المظلة الرسمية ويعتمدون على أنشطة تجارية وخدمية وحرفية لا تدخل في حسابات الناتج المحلي ولا تخضع للضرائب أو التأمينات ويمثل هذا القطاع نسبة كبيرة من حجم السوق الحقيقي ويوفر فرص عمل لفئات لا تجد مكانا في القطاع الرسمي بسبب التعقيدات البيروقراطية أو ارتفاع تكاليف التأسيس أو غياب الحوافز المشجعة على التسجيل الرسمي ويظل أصحاب هذه الأنشطة يعيشون في منطقة رمادية بين الحاجة للعمل والخوف من الملاحقة القانونية بينما تخسر الدولة مليارات الجنيهات سنويا بسبب عدم تحصيل الضرائب والرسوم وتفقد القدرة على التخطيط الدقيق لأن جزءا ضخما من الاقتصاد غير مرئي في الإحصاءات الرسمية.
دمج هذا الاقتصاد لا يعني معاقبة العاملين فيه بل يعني فتح الباب أمامهم للدخول في المنظومة بشكل آمن وتدريجي يحقق مصلحة الطرفين الدولة والمواطن وأول خطوة حقيقية تبدأ بتبسيط إجراءات التأسيس والترخيص بحيث يستطيع صاحب الكشك أو الورشة أو المشروع الصغير أن يسجل نشاطه في يوم واحد وبتكلفة رمزية دون الحاجة إلى أوراق معقدة أو موافقات متعددة من جهات مختلفة لأن العائق الأكبر أمام هؤلاء ليس رفض الدفع بل الخوف من الروتين والتعقيد.
تأتي الخطوة الثانية وهي تقديم حوافز ضريبية وتأمينية حقيقية وليست شكلية مثل الإعفاء الضريبي لخمس سنوات للمشروعات متناهية الصغر مع ربطها بالتأمين الصحي والاجتماعي حتى يشعر صاحب النشاط أن التسجيل يمنحه حماية وليس عبئا جديدا ويجب أيضا إطلاق مبادرات تمويل ميسر مخصصة للأنشطة التي توفق أوضاعها مع ربط التمويل بالتدريب على الإدارة والحسابات لضمان استمرارية المشروع ونجاحه داخل الإطار الرسمي.
لا يمكن إغفال دور التحول الرقمي في هذه العملية فإنشاء منصة موحدة إلكترونية تتيح التسجيل والدفع والمتابعة من الموبايل يزيل رهبة التعامل مع المكاتب الحكومية ويختصر الوقت والجهد ويفتح الباب أمام جيل جديد من الشباب الذي يفضل الحلول الرقمية على الطوابير والورق.
كذلك نحتاج إلى حملات توعية ضخمة تغير الصورة الذهنية عن الضرائب والتأمينات من كونها جباية إلى كونها شراكة تعود بالنفع على صاحب العمل من خلال المعاش والتأمين الصحي والقدرة على التوسع والحصول على قروض وعقود حكومية.
من المهم أن تشارك الغرف التجارية والنقابات والجمعيات الأهلية في هذه الحملات لأنها الأقرب للناس في الشارع والورشة والسوق ولأن الثقة لا تبنى بقرارات من أعلى فقط بل بحوار مباشر مع أصحاب المصلحة.
تجارب الدول الأخرى أثبتت أن الدمج التدريجي أفضل من الصدمات فتركيا والبرازيل نجحتا عندما قدمتا فترات سماح طويلة وحوافز واضحة وقللتا من الأعباء الإدارية، بينما فشلت محاولات أخرى اعتمدت على الملاحقة فقط.
الاقتصاد الموازي في مصر ليس عدوا بل هو طاقة معطلة وملايين الأيدي العاملة التي تنتظر إشارة ثقة من الدولة وإذا نجحنا في دمج نصف هذا القطاع فقط خلال خمس سنوات فسوف نرى زيادة حقيقية في الناتج المحلي وفي موارد الموازنة وفي فرص العمل اللائقة وسيتحول العامل في الظل إلى شريك في النور يساهم في البناء ويدفع نصيبه العادل ويحصل على حقوقه كاملة دون خوف أو اختباء وهذه هي المعادلة التي يجب أن نعمل عليها الآن لأن تأجيلها يعني استمرار نزيف الموارد وضياع الفرص بينما الإقدام عليها يعني اقتصاد أقوى وأكثر عدالة للجميع.
ياسر السجان يكتب :الاقتصاد غير المرئي








