آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: سرقة “العقل العام”

هل مات العلم في وطني؟ حين أرى “دكتورا” لا يعرف كيف يدير حوارا، و”أستاذا” تخرج شهادته من حقيبة سيارة في شارع خلفي، أدرك أننا لا نعيش أزمة تعليم فحسب، بل نعيش في قلب أكبر خدعة بصرية في تاريخنا المعاصر.

لقد تحول العلم إلى “أزياء” يرتديها الفاشلون لستر عورات جهلهم، وباتت ألقابنا الأكاديمية أرخص من ثمن الإطار الذي توضع فيه.

إن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال العام، بل سرقة “العقل العام”. حين تنهار الحواجز بين “الباحث المعتمد” وبين “الدعي المزور”، فنحن أمام نكسة معرفية كاملة. لقد بات “لقب الدكتور” هو المظلة التي يختبئ تحتها الجهل ليمارس سلطته على المجتمع، والحقيقة أننا إذا لم نضع حدا لهذا العبث، فسنستيقظ قريبا لنكتشف أننا نعيش في وطن يديره “مزورون” بشهادات رسمية.

فنعاني من أزمة “الألقاب العارية”، حين يستبدل العلم ب”البرواز”، ففي دهاليز المجتمعات التي تعاني من تآكل قيم الجدارة، يظهر “الخطر الصامت” الذي ينخر في عظام الدولة من الداخل.

لسنا بصدد الحديث عن أزمة تعليم تقليدية، بل نحن أمام “مفارقة وجودية”؛ حيث تحول لقب “دكتور” من تتويج لمسيرة بحثية شاقة في المختبرات والمكتبات، إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق “التجهيل الممنهج”.

لقد طفت على السطح ظاهرة غريبة تسمى “الأكاديميات المهنية” و”المراكز الموازية”، التي تمتهن بيع الوهم تحت مسميات براقة مثل “الدكتوراه الفخرية” أو “المهنية”. المشهد بات سرياليا شخص يفتقر للحد الأدنى من الأدوات العلمية، يمتلك جرأة كافية لتعليق “برواز” على حائط مكتبه، معتمدا على شهادة لا قيمة لها في ميزان المعرفة، ولكنها تمنحه “وجاهة اجتماعية” زائفة.

إن أخطر ما في هذا “السوق الأكاديمي” ليس التزوير في حد ذاته، بل هو “تطبيع الجهل”. عندما يتساوى من سهر الليالي باحثا ومنقبا، بمن اشترى لقبا بضغطة زر أو بحفنة من المال، فنحن نعلن رسميا “وفاة التنافسية الشريفة”. نحن لا نقتل العلم فحسب، بل نحطم الحافز في نفوس أجيال كاملة من الباحثين الحقيقيين الذين يرون “الفهلوة” تتصدر المشهد، بينما يهمش الاجتهاد في الظل.

لا يمكن لوم “الباحث عن البريق” وحده؛ فالمسؤولية تقع على عاتق منظومة سمحت لهذه الكيانات بالنمو كالفطريات. إن غياب الرقابة الصارمة عن المراكز التي تصدر أوراقا تدعي الأكاديمية، وترك المساحة الإعلامية والاجتماعية لهؤلاء “الدكاترة المزعومين” للترويج لأنفسهم، هو اعتراف ضمني بالفشل في حماية عقل الأمة.

إن الدولة التي لا تحمي قدسية الشهادة العلمية، هي دولة تضع مستقبل أبنائها في يد من لا يملك المعرفة لإدارته. نحن بحاجة إلى “ثورة تصحيح” لا تعترف بالحلول المسكنة، بل تحتاج إلى إجراءات جذرية:

وحصر الألقاب، والقيام بمراجعة قانونية شاملة لكل من يحمل لقبا علميا مارست جهات غير معتمدة من المجلس الأعلى للجامعات منحه.

والتجريم القاطع، بوضع نصوص قانونية واضحة تحظر استخدام الألقاب العلمية في المحافل العامة والإعلامية إلا لمن يمتلك وثيقة أكاديمية معتمدة، مع تغليظ العقوبات على منتحلي الصفات الأكاديمية.

فلابد من إعادة الاعتبار للعلم، وبناء استراتيجية وطنية تعلي من شأن “القيمة الإنتاجية” على حساب “الوجاهة اللفظية”. المواطن لا يحتاج لحرف “الدال” قبل اسمه ليكون نافعا، بل يحتاج لفكر يخدم اقتصاد وطنه.

إن التستر على هذه الظاهرة أو تجاهلها ليس ذكاء سياسيا، بل هو استنزاف لمقدرات الوطن العقلية. نحن لا نطالب ب”مقصلة” للأشخاص، بل نطالب ب”مقصلة للأوهام”.

آن الأوان لأن نفرق بين “الشهادة العلمية” وبين “الورقة الملونة”. إن العلم أمانة، وحماية قدسية الألقاب هي جزء لا يتجزأ من حماية “الأمن القومي المعرفي”. مصر تستحق دكاترة صنعوا مجدهم في المختبرات والجامعات العريقة، لا دكاترة صنعوا في كواليس مراكز التدريب الوهمية.

أيها المسؤولون القوة الحقيقية لأي أمة تقاس بمقدار احترامها للعلم لا بمقدار احترامها للألقاب.

إن “حرف الدال” الذي يزين أسماء الكثيرين اليوم ليس أكثر من حبر على ورق بائس، بينما “الوعي الحقيقي” هو التاج الذي لا يرتديه إلا من أتعبه البحث وحفر في صخر المعرفة. يا أصحاب القرار، ويا أبناء مصر المخلصين: لا تتركوا “الجهل الممنهج” يسرق مستقبلكم. إن استعادة قيمة الجدارة هي المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها، فبدونها، سنظل نعيش في زيف أكاديمي خانق، بينما تسرق السنون أعمار من يستحقون حقا أن يطلق عليهم لقب العلماء.

الشهادة التي تشترى بالمال لا تمنح صاحبها عقولا، بل تمنحه قناعا هشا سيسقط عند أول اختبار حقيقي.

إننا لا نصرخ اليوم دفاعا عن الألقاب، بل دفاعا عن جيل يرى “المزيفين” في الصدارة، فيقرر أن يهجر الكتاب إلى “الفهلوة”.

يا سادة، إن نهضة الأمم لا تبنى ب “دكاترة الكافيهات”، بل تبنى بعرق من سهروا في المعامل والمصانع.

احموا العلم، أو انتظروا يوما لا تجدون فيه في مفاصل دولتكم إلا “بروازا” كبيرا، خلفه فراغ قاتل.

يوسف عبداللطيف يكتب: سرقة “العقل العام”

زر الذهاب إلى الأعلى