آراء

د. فاطمة العزب تكتب : أصعب رحلة.. والملجأ الدافئ

لم يعد العالم كما كان. فما بين الحروب والصراعات، والكوارث، والأزمات الاقتصادية، وتسارع الأحداث اليومية، يعيش الإنسان حالة من الضغط النفسي المستمر.

نستيقظ كل صباح على أخبار تحمل مشاهد مؤلمة، ونقضي ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف نتابع ما يحدث حولنا، حتى أصبح القلق والخوف والتوتر جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

وفي خضم هذه المتغيرات، تبرز حقيقة مهمة، وهي أن أصعب رحلة قد يخوضها الإنسان ليست مع العالم الخارجي، بل مع نفسه. فالنفس البشرية هي أول من يتأثر بما نراه ونسمعه ونعيشه، حتى وإن حاولنا إخفاء ذلك خلف ابتسامة أو انشغال دائم.

الأحداث الجارية لا تؤثر فقط في من يعيشها بشكل مباشر، بل تمتد آثارها النفسية إلى ملايين الأشخاص الذين يتابعونها لحظة بلحظة.

فالمشاهدة المتكررة لمشاهد العنف والدمار، وسيل الأخبار المتلاحقة، قد يخلقان شعورًا بالعجز، ويزيدان من مستويات القلق والتوتر، خاصة لدى الأطفال والمراهقين وكبار السن.

ومن هنا تأتي أهمية الوعي النفسي. فليس المطلوب أن نعزل أنفسنا عن الواقع، وإنما أن نتعامل معه بوعي واتزان. أن نتابع الأخبار من مصادر موثوقة، وأن نمنح أنفسنا فترات للراحة، وأن نحافظ على توازننا النفسي حتى نستطيع مواصلة حياتنا وأداء أدوارنا تجاه أسرنا ومجتمعنا.

كما أن الأسرة أصبحت اليوم خط الدفاع الأول عن الصحة النفسية لأفرادها. فالحوار، والاحتواء، والطمأنينة، والاستماع الحقيقي لمشاعر الأبناء، كلها عوامل تساعد على مواجهة الضغوط التي يفرضها الواقع. وقد تكون كلمة صادقة أو حضن دافئ سببًا في تخفيف عبء نفسي كبير.

إننا في حاجة إلى ثقافة جديدة، تجعل الاهتمام بالصحة النفسية جزءًا من حياتنا اليومية، تمامًا كما نهتم بصحة أجسادنا. فالإنسان الذي يتمتع بالاتزان النفسي يكون أكثر قدرة على اتخاذ القرار، ومواجهة الأزمات، ومساندة الآخرين في أوقات الشدة.

ورغم كل ما يحيط بنا من تحديات، يبقى الأمل حاضرًا. فالإنسان يمتلك قدرة كبيرة على التكيف والتعافي إذا وجد الدعم، وشعر بالأمان، وآمن بأن بعد كل محنة منحة، وبعد كل ضيق فرج.

واليوم، ونحن نعيش عالمًا يمتلئ بالتحديات، علينا أن نتذكر أن حماية النفس البشرية ليست مسؤولية الأطباء النفسيين وحدهم، بل هي مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات، وكل فرد في المجتمع. فكل كلمة طيبة، وكل موقف داعم، وكل مساحة آمنة للحوار، قد تُحدث فرقًا كبيرًا في حياة إنسان.

إن رحلة الإنسان إلى أعماق نفسه في زمن الأزمات ليست هروبًا من الواقع، بل هي الطريق إلى فهمه والتعامل معه بحكمة. وعندما نحافظ على توازننا النفسي، نصبح أكثر قدرة على تجاوز المحن، وصناعة الأمل، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا، مهما اشتدت التحديات.

د. فاطمة العزب تكتب : أصعب رحلة.. والملجأ الدافئ

زر الذهاب إلى الأعلى