ابراهيم العمدة يكتب : عندما يصبح الصمت أخطر من الأزمة!

لم تعد أزمة تأخر صرف بدل الصحفيين مجرد رقم فى كشف حساب أو بند متأخر فى ميزانية لقد تحولت على مدار الشهور الماضية إلى وجع يومى يسكن بيوت الصحفيين وأسرهم وإلى سؤال يتكرر في عيون الأبناء متى يعود البدل؟ ومتى تعود الكرامة؟
نعيش فى وطن يُفترض فيه أن منظومة الحقوق والواجبات واحدة وأن العمل شرف وأن الكلمة مسئولية وفى كل القطاعات رأينا تحسناً نسبياً فى الدخول وتوسعاً فى برامج الحماية ومحاولات جادة لتثبيت الناس فى وظائفهم لكن فى المقابل هناك نحو 600 صحفى وصحفية وجدوا أنفسهم فجأة خارج أسوار العمل الصحفى لا لذنب ارتكبوه ولا لتقصير فى الأداء بل لأسباب إدارية وهيكلية لا يد لهم فيها وكأن أزمة الصحفيين لا تستحق أن نتوقف عندها أو أن نبحث لها عن حل عاجل.
الأكثر إيلاماً أن بدل الصحفيين المتأخر الذى كان من المفترض أن يكون جزءاً من التقدير المهنى لأبناء المهنة أصبح بلا مبالغة هو مصدر الدخل الوحيد لنحو نصف الصحفيين بيوت تُدار به ومدارس تُدفع مصروفاتها منه وعلاج يُشترى به وعندما يتأخر صرفه لا يتأخر المال فقط بل يتأخر الأمان المهنى ويتأخر الإحساس بالانتماء للمؤسسة الصحفية.
فى الوقت نفسه نشاهد مؤسسات صحفية تتحول شيئاً فشيئاً إلى دوائر مغلقة تُدار بالعلاقات لا بالكفاءة وبالتربيطات لا بالاستحقاق يدخلها من يدخلها بحكم القرابة أو بحكم “الشلة” بينما يُترك أصحاب الخبرة والمهنة من الصحفيين يقفون على الأبواب وحين يرفع أحدهم صوته للمطالبة بالإنصاف يُقابل أحياناً بالسخرية وأحياناً بالإقصاء وأحياناً بالصمت الذى هو أشد قسوة من الرفض.
نحن كصحفيين لا نطالب بامتيازات خاصة ولا نطلب معاملة استثنائية كل ما نطلبه هو أبسط حقوقنا المهنية حق العمل حق صرف البدل فى موعده حق العيش بكرامة حق الأمان لنا ولأبنائنا لم نخن المهنة ولم نتاجر بقضايا الوطن ولم نغادر مواقعنا فى أصعب اللحظات تحملنا وكتبنا ونقلنا الحقيقة كما هي حتى حين كانت مؤلمة.
لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه.. أين وزير الدولة للإعلام من هذا الملف؟ وهو من أبناء المهنة ويعلم جيداً أن هذا البدل هو عصب حياة نصف الصحفيين حتى لو كان موقعه الآن حكومياً فالمفترض أن يكون صوتاً من أصوات الصحفيين داخل الحكومة وناقلاً أميناً لمعاناتهم.
كما نتساءل.. لماذا يتأخر صرف البدل فى وزارة المالية لأشهر؟ ولماذا يتم الحديث عن زيادة البدل فقط وقت الاستحقاقات الانتخابية ثم يعود للنسيان؟ أليس من حق الصحفى أن يحصل على مستحقه الأصلى فى موعده دون منة أو تأخير؟
وأين دور النقابة؟ أين أمين الصندوق بصفته المسئول الأول عن الشق المالي؟ وأين النقيب من المطالبة المستمرة لوزارة المالية والحكومة بصرف مستحقات الصحفيين؟
أين خطة التحرك العاجلة وأين التفاوض لحماية كرامة أعضاء الجمعية العمومية؟
نحن لا نوجه اتهاماً لأحد لكننا نطرح أسئلة مشروعة تفرضها أزمة خانقة يعيشها الصحفيون.
الصحافة ليست ترفاً ولا مهنة يمكن الاستغناء عنها الصحفى هو من يوثق ومن يراقب ومن يضع المرآة أمام المجتمع وعندما يُدفع الصحفى إلى اليأس ويُحرم من أدوات عمله ومن بدل هو حقه فإن الخطر لا يعود عليه وحده الخطر يمتد إلى الرسالة الصحفية وإلى الثقة فى قدرة الدولة على حماية أبنائها من أهل القلم بعدالة.
نحن نناشد باسم الصحفيين المتضررين وباسم الأسر التى أنهكها الانتظار أنقذوا الصحفيين من البطالة والفقر والإقصاء أعيدوا فتح الباب أمام الكفاءة الصحفية وأعيدوا للبدل قيمته كحق أصيل للصحفى لا كمنحة تدخلوا الآن قبل أن يتحول الصمت الطويل إلى انفجار وقبل أن تصبح معالجة الأزمة أصعب بكثير من منعها.
فالصحافة لا تقوى إلا حين يشعر كل صحفى فيها أنه مرئي وأن صوته مسموع وأن كرامته وحقه مصانين.








