النسخة السابعة ليست بداية الحكاية… كيف أدارت الدولة ملف المصريين فى الخارج قبل وزارة الهجرة؟

قراءة توثيقية في ذاكرة دولة لم تنس يومًا أبنائها فى الخارج
كتبت_ نجوى إبراهيم
مع انطلاق النسخة السابعة لمؤتمر المصريين في الخارج، تجدد الدولة المصرية تأكيدها على اهتمامها بأبنائها في مختلف أنحاء العالم، وحرصها على الاستماع إليهم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم والاستفادة من خبراتهم في دعم خطط التنمية.
وهي رسالة لا خلاف على أهميتها، بل تعكس نهجًا تبنته الدولة على مدار عقود في التعامل مع ملايين المصريين المقيمين خارج حدودها.
لكن مع تكرار الحديث عن “النسخة السابعة”، يفرض سؤال نفسه: هل بدأت مؤتمرات المصريين في الخارج مع إنشاء وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج؟ وهل يعود تاريخ التواصل المؤسسي مع المصريين في الخارج إلى النسخة الأولى التي انطلقت عام 2019؟ الوثائق تقول إن الإجابة لا.

وقبل استعراض هذا المسار، من المهم التأكيد على أن هذا التقرير التحليلي لا يستهدف تقييم مؤتمرات المصريين في الخارج، أو قياس ما تحقق من توصياتها، أو المفاضلة بين مرحلة وأخرى، فذلك موضوع يستحق دراسة مستقلة.
أما الهدف هنا فهو إعادة قراءة التاريخ المؤسسي لهذا الملف، حتى تظل ذاكرة الدولة مكتملة، ويُنسب كل جهد إلى أصحابه، دون إنكار لما أضافته المراحل اللاحقة أو انتقاص من دورها.

فالنسخة السابعة التي انتهت فعالياتها أمس هي النسخة السابعة للمؤتمر بصيغته الحالية، التي انطلقت عام 2019، لكنها ليست بداية اهتمام الدولة بالمصريين في الخارج، ولا بداية الحوار معهم.
فهذا الملف ظل لسنوات طويلة أحد الاختصاصات الرئيسية لوزارة القوى العاملة والهجرة، قبل إنشاء وزارة مستقلة للهجرة وشئون المصريين بالخارج ، ثم انتقاله لاحقًا إلى وزارة الخارجية.
وهنا لا يتعلق الأمر بتغيير اسم وزارة أو انتقال اختصاص، وإنما بمسار مؤسسي متصل تعاقبت عليه مؤسسات الدولة، بينما بقي الهدف ثابتًا: الحفاظ على صلة المصريين في الخارج بوطنهم، وتحويلهم إلى شركاء في التنمية.
وقبل إنشاء وزارة مستقلة للهجرة، كانت وزارة القوى العاملة والهجرة هي الجهة المسؤولة عن إدارة هذا الملف بكل تفاصيله.
فلم يقتصر دورها على تنظيم أوضاع العمالة المصرية في الخارج أو الدفاع عن حقوقها، بل أدارت ملف المصريين بالخارج باعتباره أحد الملفات الاستراتيجية للدولة، وعملت على بناء قنوات تواصل دائمة مع الجاليات المصرية، والاستفادة من خبراتهم، وتعزيز ارتباطهم بالوطن.
وتشير الوثائق والأرشيف الصحفي إلى أن وزارة القوى العاملة والهجرة أرست، منذ سنوات طويلة، تقليدًا مؤسسيًا لعقد المؤتمر العام للمصريين في الخارج، واستمرت في تنظيم اللقاءات والمنتديات الخاصة بالمصريين في الخارج بصورة منتظمة، ليصبح المؤتمر منصة حوار تجمع ممثلي الدولة بأبناء الجاليات المصرية، وتناقش ملفات العمل والهجرة والاستثمار والتعليم والخدمات القنصلية، إلى جانب الحفاظ على الهوية الوطنية للأجيال الجديدة.
ومع مرور السنوات، لم يعد المؤتمر مجرد مناسبة دورية، بل أصبح أحد أدوات الدولة في إدارة ملف المصريين في الخارج، وهو ما تؤكده المؤتمرات والمنتديات التي عقدت تباعًا، ورسخت هذا النهج قبل سنوات طويلة من إطلاق النسخة الأولى للمؤتمر بصيغته الحالية.

ومع تولي الوزيرة عائشة عبدالهادي مسؤولية وزارة القوى العاملة والهجرة في يناير 2006، اكتسب الملف زخمًا أكبر، فمنذ أيامها الأولى في الوزارة، حرصت على التأكيد أن ملف المصريين في الخارج سيظل في مقدمة أولوياتها، وقالت عبارتها التي عكست بوضوح فلسفة تلك المرحلة: «لن أنسى أنني أيضًا وزيرة للهجرة».
ولم يكن ذلك مجرد تصريح، بل إعلانًا عن برنامج عملها الذى تضمن إعادة ترتيب أوضاع الاتحاد العام للمصريين في الخارج، وإعادة تشكيل مجلس إدارته، وعقد المؤتمر العام للمصريين في الخارج، إلى جانب إعداد نظام تأميني للعاملين بالخارج ضد مخاطر الغربة من خلال إحدى شركات التأمين، بما يعكس رؤية استهدفت توفير مظلة حماية ورعاية للمصريين في الخارج، إلى جانب تعظيم الاستفادة من دورهم الوطني والاقتصادي.
ولم تمض سوى أشهر حتى انعكست هذه الرؤية على أرض الواقع، حيث شهدت الوزارة توسعًا في تنظيم اللقاءات مع المصريين بالخارج، وتطوير آليات الحوار معهم، وفتح قنوات اتصال مباشرة لمناقشة قضاياهم والاستماع إلى مقترحاتهم.

وفي عام 2007 استضافت القاهرة المنتدى الرابع للمصريين في الخارج، بالتعاون بين وزارة القوى العاملة والهجرة والاتحاد العام للمصريين في الخارج، وبمشاركة رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين.
ولعل الرقم نفسه يحمل دلالة مهمة؛ فالوصول إلى المنتدى الرابع يعني أن الدولة كانت قد قطعت شوطًا طويلًا في تنظيم هذه اللقاءات قبل ذلك التاريخ، وأن فكرة الحوار المؤسسي مع المصريين في الخارج كانت قد ترسخت بالفعل داخل وزارة القوى العاملة والهجرة، ولم تكن وليدة مرحلة لاحقة.
كما ناقش المنتدى آنذاك قضايا لا تزال حاضرة حتى اليوم، من بينها إنشاء قاعدة بيانات للمصريين في الخارج، وتشجيع استثماراتهم، وتيسير تحويلاتهم، وربط الكفاءات المصرية بمشروعات التنمية، وتعزيز ارتباط أبناء الجيلين الثاني والثالث بوطنهم، ومع تطور الرؤية، لم يعد الاهتمام مقتصرًا على المصريين العاملين في الخارج، بل امتد إلى أبنائهم، إدراكًا لأهمية الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء.
ومن هذا المنطلق، نظمت وزارة القوى العاملة والهجرة، بالتعاون مع وزارة الخارجية والمجلس القومي للشباب، عام 2010 المؤتمر الأول لشباب أبناء الجاليات المصرية في الخارج تحت شعار “شركاء في وطن واحد”.
وخلال الاجتماع التحضيري للمؤتمر، حرصت الوزيرة عائشة عبدالهادي على التنسيق مع مختلف مؤسسات الدولة لضمان نجاح الحدث، وطلبت من وزارة الطيران المدني تقديم تخفيضات على تذاكر السفر للمشاركين وأسرهم، كما أكدت أن الدولة حريصة على تحقيق التواصل المستمر مع أبناء الوطن في الخارج، وإحاطتهم بكافة سبل الرعاية والحماية، والعمل على إزالة ما يواجههم من مشكلات، وتشجيعهم على استثمار مدخراتهم في إقامة مشروعات جديدة على أرض مصر تسهم في دعم التنمية وتوفير فرص العمل.
ولعل اللافت أن كثيرًا من الملفات التي تناقشها الدولة اليوم تحت مظلة مؤتمر المصريين في الخارج، كانت مطروحة بالفعل على أجندة وزارة القوى العاملة والهجرة قبل أكثر من عقد، وهو ما يؤكد أن تطور أدوات التواصل لم يغير جوهر السياسة، بل عززها ووسع نطاقها.

ثم جاءت محطة تحمل دلالة خاصة في هذا المسار؛ ففي أغسطس 2013 انعقد المؤتمر العام السابع للمصريين في الخارج تحت شعار “مصر في القلب”، بمشاركة واسعة من أبناء الجاليات المصرية وعدد من الوزراء والمسؤولين.
وكان وصول المؤتمر إلى دورته السابعة في ذلك التوقيت تأكيدًا على أن الدولة كانت قد رسخت تقليدًا مؤسسيًا للحوار مع المصريين في الخارج قبل سنوات من إنشاء وزارة مستقلة للهجرة، وأن هذا الملف ظل حاضرًا على أجندة الدولة، تتطور أدواته وتتجدد آلياته، بينما بقيت رسالته واحدة: الحفاظ على جسور التواصل مع أبناء الوطن أينما كانوا.
ولم يتوقف هذا المسار عند المؤتمر السابع، بل واصلت وزارة القوى العاملة والهجرة إدارة الملف باعتباره أحد اختصاصاتها الأصيلة.

ففي أغسطس 2015، و برئاسة وزيرة القوى العاملة والهجرة الدكتورة ناهد عشري، استضافت مدينة الأقصر المؤتمر العام التاسع للمصريين في الخارج، بمشاركة واسعة من ممثلي الجاليات المصرية والعلماء والخبراء ورجال الأعمال.
وركز المؤتمر على تعظيم الاستفادة من الخبرات المصرية المهاجرة في دعم خطط التنمية، وتشجيع الاستثمار، ونقل المعرفة، وتعزيز ارتباط أبناء الجيلين الثاني والثالث بوطنهم، بما أكد استمرار النهج المؤسسي للدولة في إدارة هذا الملف، وأن وزارة القوى العاملة والهجرة ظلت تمارس دورها كاملًا في رعاية المصريين بالخارج حتى الأيام الأخيرة التي سبقت إعادة هيكلة الملف.

ولم يكن انعقاد المؤتمر العام التاسع مجرد محطة جديدة في سلسلة المؤتمرات، بل كان أيضًا آخر مؤتمر عام للمصريين في الخارج تنظمه وزارة القوى العاملة والهجرة قبل التحول المؤسسي الأكبر في تاريخ هذا الملف.
فبعد أقل من شهر، وتحديدًا في 19 سبتمبر 2015، صدر القرار الجمهوري بتشكيل الحكومة الجديدة، متضمنًا إنشاء وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج كوزارة مستقلة للمرة الأولى، بعد أن ظل قطاع الهجرة تابعًا لوزارة القوى العاملة والهجرة لسنوات طويلة.
وجاء إنشاء الوزارة استجابة لتطورات هذا الملف، ولمطالب متكررة بوجود كيان وزاري متخصص يتولى رعاية شؤون المصريين في الخارج، ويعزز التواصل معهم، ويعمل على تعظيم الاستفادة من خبراتهم وإسهاماتهم في دعم جهود التنمية.
وهكذا انتقلت الدولة إلى مرحلة مؤسسية جديدة، لكنها استندت إلى رصيد كبير من الخبرات والجهود التي تراكمت داخل وزارة القوى العاملة والهجرة عبر سنوات طويلة.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بعد استعراض هذا المسار هو: إذا كان المؤتمر العام للمصريين في الخارج قد وصل إلى دورته السابعة عام 2013، ثم انعقدت بعد ذلك دورته التاسعة عام 2015، فلماذا نتحدث اليوم عن النسخة السابعة؟
الإجابة لا تكمن في اختلاف الروايات، وإنما في تطور الشكل المؤسسي لإدارة الملف.

فبعد إنشاء وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج وتولى الوزيرة نبيلة مكرم شئون الوزارة، دخل ملف المصريين في الخارج مرحلة تنظيمية جديدة، حملت معها أدوات وآليات مختلفة للتواصل مع الجاليات المصرية، وأطلقت الوزارة المؤتمر بصيغته الجديدة، لتنطلق النسخة الأولى عام 2019، وتستمر حتى النسخة السابعة التي اختتمت أعمالها قبل أيام.
ومن هنا، فإن اختلاف الترقيم لا يعني أن الدولة بدأت الاهتمام بالمصريين في الخارج عام 2019، كما لا يعني أن ما سبق تلك المرحلة لم يكن موجودًا، وإنما يعكس بداية صيغة جديدة لمؤتمر قائم على رؤية تنظيمية مختلفة، بينما ظل الملف ذاته حاضرًا على أجندة الدولة منذ سنوات طويلة.
وهنا تبدو أهمية التمييز بين المؤتمر العام للمصريين في الخارج الذي نظمته وزارة القوى العاملة والهجرة لسنوات، وبين مؤتمر المصريين في الخارج بصيغته الحالية، الذي انطلق بعد إنشاء وزارة مستقلة للهجرة.
فاختلاف المسمى أو الجهة المنظمة لا يعني انقطاع المسار، وإنما يعكس تطورًا طبيعيًا في إدارة أحد الملفات الوطنية المهمة.
وربما يكون من الإنصاف، ونحن نعيد قراءة هذا التاريخ، ألا يقتصر الحديث على الوزراء وحدهم، فملف المصريين في الخارج لم يكن يومًا جهد وزير بمفرده، بقدر ما كان عملًا مؤسسيًا حمله لسنوات طويلة قطاع الهجرة بوزارة القوى العاملة والهجرة، بما ضمه من قيادات وخبرات وكوادر إدارية وفنية تولت التخطيط للمؤتمرات، والتنسيق مع الجاليات المصرية، وإعداد ملفات المصريين في الخارج، ومتابعة قضاياهم، والتواصل مع السفارات والوزارات والجهات المختلفة.
لقد راكم هذا القطاع خبرة امتدت لسنوات، وأسهم في ترسيخ ثقافة الحوار المؤسسي مع المصريين في الخارج، حتى أصبح هذا الملف واحدًا من الملفات التي تمتلك الدولة بشأنها خبرة متراكمة، لم تبدأ مع إنشاء وزارة جديدة، وإنما انتقلت إليها ثم تطورت معها.
ولا ينتقص ذلك بأي حال من الدور الذي قامت به وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، التي أضافت إلى هذا الملف مبادرات جديدة، ووسعت نطاق التواصل مع المصريين في الخارج، ونجحت في مواكبة متغيرات فرضتها طبيعة المرحلة، سواء من خلال استخدام أدوات الاتصال الحديثة، أو إطلاق مبادرات لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بوطنها، أو توسيع مشاركة المصريين بالخارج في القضايا الوطنية.
كما لا ينتقص من الدور الذي تقوم به وزارة الخارجية اليوم، بعد عودة ملف المصريين في الخارج إليها، واستمرارها في إدارة هذا الملف انطلاقًا من الخبرات التي تراكمت عبر العقود، وفي إطار رؤية الدولة للحفاظ على التواصل مع مواطنيها في الخارج.
فالدول لا تبدأ من الصفر كلما تغير اسم وزارة، ولا تُمحى ذاكرة مؤسساتها مع انتقال الاختصاصات، وما تحقق في كل مرحلة كان امتدادًا لما سبقها، وليس قطيعة معه.
ولهذا، فإن الحديث عن النسخة السابعة ينبغي أن يقترن دائمًا بالإشارة إلى أن ملف المصريين في الخارج يمتلك تاريخًا أقدم بكثير من عمر هذه النسخ، وأن الدولة المصرية لم تنتظر إنشاء وزارة مستقلة للهجرة حتى تمد جسور التواصل مع أبنائها في الخارج، بل سبقت ذلك سنوات طويلة من العمل المؤسسي الذي قادته وزارة القوى العاملة والهجرة، واستكملته وزارة الدولة للهجرة، وتواصله اليوم وزارة الخارجية.

إن توثيق هذا التاريخ ليس محاولة لسحب إنجاز من مرحلة ومنحه لأخرى، كما أنه ليس دفاعًا عن وزير سابق أو انتقادًا لوزير حالي، وإنما إنصاف لمسار مؤسسي ممتد، شاركت في بنائه مؤسسات الدولة المصرية، كلٌ في زمانه، وكلٌ وفق متطلبات مرحلته.
إن قوة الدول لا تقاس فقط بما تنجزه اليوم، وإنما أيضًا بقدرتها على حفظ ذاكرتها المؤسسية، لأن هذه الذاكرة تؤكد أن الإنجازات لا تولد من فراغ، وإنما تبنى فوق ما أنجزته الأجيال السابقة.
ولذلك، فإن الحفاظ على الذاكرة المؤسسية ليس دفاعًا عن وزير سابق، ولا انتقاصًا من وزير حالي، بل هو دفاع عن تاريخ دولة، واحترام لجهود أجيال تعاقبت على خدمة ملايين المصريين في الخارج، الذين كانوا وسيظلون جزءًا أصيلًا من الوطن.
فالدولة المصرية لم تنس يومًا أبنائها في الخارج، وما تغير عبر السنوات لم يكن الاهتمام، بل المؤسسات والأدوات وأشكال التواصل، أما جوهر السياسة فظل ثابتًا: المصريون في الخارج كانوا وسيظلون دائمًا في قلب الوطن.








