آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: إعلام المرأة في مصر.. مؤسسة بلا أنياب وقائدة بلا سلاح

تخيل وزيرا يحاسب على قرار لم يوقعه، أو طبيبا يلام على مريض لم يسمح له بعلاجه، هذا تقريبا ما يحدث كل مرة يطالب فيها المجلس القومي للمرأة ب”فعل شيء” حيال إساءة إعلامية لصورة المرأة، فيصدر بيانا، ثم يحاسبه الرأي العام كأن البيان كان يملك سلطة القانون، المشكلة ليست في نية من يقف على رأس ملف الإعلام بالمجلس، بل في سؤال ظل معلقا لعقود، لماذا نمنح مؤسسة “صوتا” دون أن نمنحها “يدا”؟

حين يعلن المجلس القومي للمرأة “رفضه القاطع” لعمل فني يسيء لصورة المرأة، كما حدث مؤخرا في واقعة برنامج “رامز”، يبرز سؤال أعمق من الواقعة نفسها، لماذا يبقى رد الفعل المؤسسي، في أغلب الأحيان، بيانا لاحقا لا سياسة سابقة؟

الإجابة لا تكمن في نوايا القائمين على هذه اللجان، بل في بنية السلطة الممنوحة لهم أصلا، وهي بنية تخوض في ظلها اليوم الدكتورة سوزان القليني، المسؤولة عن ملف الإعلام بالمجلس، معركة تستحق أن نتوقف عندها بالتفصيل، لتوضيح حجم التحديات الحقيقية.

بموجب القانون رقم 30 لسنة 2018 والقرار الجمهوري رقم 90 لسنة 2000، يختص المجلس القومي للمرأة ب”اقتراح” السياسة العامة و”إبلاغ” السلطات عن الانتهاكات، وكلا الفعلين، الاقتراح والإبلاغ، يقفان عند حدود التوصية، القرار النهائي، سواء في التشريع أو في محاسبة عمل فني بعينه، يبقى بيد جهات أخرى، مثل البرلمان والجهات الرقابية على المحتوى والجهة المنتجة نفسها، وهذا ليس عيبا في تصميم المجلس بقدر ما هو طبيعة كل مجلس قومي استشاري في مصر.

في مواجهة هذا القيد البنيوي، لم تصل الدكتورة سوزان القليني إلى موقعها بالتموضع السياسي أو المجاملات، فهي التي أسست قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة عين شمس، وتولت عمادتها، ثم قادت كلية الإعلام بجامعة ليوا بالإمارات، وتركت بصمتها في أكثر من مائتي دراسة ومؤلف وإشراف أكاديمي، تملك رصيدا يجعلها في صدارة التخصص، والأهم أن نقل هذا الرصيد الأكاديمي إلى أروقة المجلس القومي للمرأة عبر أدوات القياس والأكواد الأخلاقية كان محاولة جادة.

والحق أن تقييم تجربة الدكتورة سوزان القليني لا ينبغي أن يقاس بمعيار الموقع، بل بمعيار الأثر النوعي الذي تركته قبل أن تصل إليه، فحين تقارن مسيرة تمتد لعقود بين التأسيس الأكاديمي والممارسة الميدانية، تجد أن ما يميزها ليس مجرد تراكم الألقاب، بل قدرتها على تحويل الأدوات النظرية إلى آليات تنفيذية قابلة للقياس، من الكود الأخلاقي الذي وضعته لمتابعة الدراما إلى مبادرات نوعية مثل ملهمات عربيات، وهذه ليست شهادة تمنح مجاملة، بل خلاصة مسار مهني يندر أن يجتمع فيه العمق.

لكن هذا المشروع العلمي يصطدم بمعضلة لا تخصه وحده، وحين تتقاطع قضية واحدة، كالعنف الرقمي ضد المرأة مثلا، بين اختصاص المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وربما جهات أخرى كوزارة التضامن الاجتماعي والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يصبح السؤال مشروعا، من يملك الكلمة الفصل؟ تعدد المرجعيات، دون آلية تنسيق ملزمة وواضحة للجمهور، يضعف قوة أي موقف فردي مهما بلغت جدية القائمين عليه، ويحول بيانات الرفض والإدانة إلى صوت واحد ضمن جوقة مؤسسية.

النقد المنصف والداعم في آن واحد يقتضي منا أن نضع اليد على الجرح، وأن نساند القليني في الإشارة إلى العقبات الحقيقية التي تواجه لجنة الإعلام، ومنها فوضى السوشيال ميديا والعنف الرقمي حيث تخوض اللجنة معركة ضارية ضد سيولة رقمية جارفة يمارس فيها الابتزاز والعنف الموجه ضد المرأة بصورة يومية، وسط غياب آليات ردع إعلامية سريعة تتجاوز حدود الرصد والتوصية، وهو ما يمثل عائقا حقيقيا أمام الاستجابة اللحظية والفورية للانتهاكات.

رغم نجاح الكود الأخلاقي الذي وضعته القليني في تحسين صورة المرأة دراميا، إلا أن منطق التريند والإثارة التجارية لدى بعض جهات الإنتاج يظل عائقا أمام تعميم الرؤية التنويرية، مما يضع اللجنة في مواجهة دائمة مع قوى السوق، وتعاني المؤسسات الصحفية والإعلامية من نقص حاد في الصحفيين المؤهلين لتعاطي قضايا المرأة بوعي حقوقي وأكاديمي، مما يجعل المخرجات الإعلامية الشائعة تقع غالبا في فخ النمطية أو التسطيح والمباشرة المفرطة.

تظل أكبر التحديات هي قلة الأصوات والمؤسسات التي توفر الدعم الفكري والإعلامي الشجاع لهذه المبادرات، حيث يكتفي الكثيرون بالمشاهدة أو التغطية السطحية، بدلا من الاشتباك الحقيقي لخلق بيئة حامية للوعي المجتمعي، ويصدر المجلس سنويا للعام الحادي عشر على التوالي تقريره عن صورة المرأة في دراما رمضان، وهو مجهود رصدي جاد يستحق الإشادة والتقدير، لكن اللافت أن التقرير الأخير نفسه أشار إلى استمرار السسطحية في تناول القضايا.

حين يستمر الرصد سنة بعد أخرى دون تحول ملموس في جودة المعالجة الدرامية، يصبح السؤال الجوهري، هل المشكلة في المحتوى المرصود، أم في غياب أداة ضغط فعلية تحول نتائج الرصد إلى تغيير حقيقي في غرف الكتابة والإنتاج؟ وتعاني المؤسسات الإعلامية القومية في مصر عموما، كما توثق تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات وملفات إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية، من أزمات تمويل واستدامة تسبق أي حديث عن التحول الرقمي أو الاستجابة اللحظية لخوارزميات التواصل.

إن الإيمان بالدكتورة سوزان القليني وبمشروعها ليس انحيازا لشخص، بل هو انحياز لخيار العلم في مواجهة الفوضى، فالنجاح في ملف بحجم إعلام المرأة لا يمكن أن يقع على عاتق قيادة أكاديمية واحدة مهما بلغت قدراتها، بل يتطلب تشكيل جبهة عمل وإسناد إعلامي تضم العقول الأكاديمية والمهنية المستقلة الشجاعة، التي تملك القدرة على الصياغة والدفاع وتوسيع المساحة العامة، وتوفير مظلة حماية فكرية للمشروع في ظل التحديات المتزايدة والمتسارعة.

لا يمكن محاسبة لجنة إعلام على تشريع لا تملك سلطة إصداره، ولا على تنسيق مع مجالس موازية لا تملك سلطة إلزامها به، لكن يمكن، وينبغي، أن تسأل الدولة المصرية ذاتها، لا لجنة بعينها ولا شخص بعينه، سؤالا واحدا، هل حان وقت منح المجالس القومية أدوات تنفيذية حقيقية تتناسب مع حجم القضايا التي توكل إليها، أم يظل الاقتراح سقفها الأبدي بصرف النظر عمن يجلس على رأسها لتوجيه الدفة وإدارة هذا الملف الحيوي؟

وحين يكتب تاريخ هذا الملف يوما، لن يسأل التاريخ ماذا فعلت سوزان القليني، بل سيسأل ماذا سمحنا نحن لها أن تفعل، فالمرأة التي حولت قسما أكاديميا إلى مدرسة، وحولت التوصية إلى كود أخلاقي، وحولت المبادرة إلى مؤسسة، لم تقصر يوما في حدود ما منحت من صلاحية، وإن كان ثمة تقصير، فهو تقصير الدولة في أن تمنح العقل الذي استعانت به سلطة تليق بحجم الثقة التي وضعتها فيه، فمن يحاسب اليوم يجب أن يوجه سؤاله إلى الجهة الصحيحة لا إلى من يحمل الشعلة، بل إلى من يقرر طولها.

يوسف عبداللطيف يكتب: إعلام المرأة في مصر.. مؤسسة بلا أنياب وقائدة بلا سلاح

زر الذهاب إلى الأعلى