عبدالعظيم القاضي يكتب: طاحونة العيش والمتعة الزائلة

يا شعب مصر لك الله، انت في مفترق طرق، منهم من يعانق السحاب، ومنهم من يلهث في التراب.
هنا تتقاطع مأساة الكفاح اليومي من أجل البقاء مع مظاهر الترف والاستعراض البذخي، شباب يموت جوعا بحثا عن لقمة العيش الحلال، وملايين تنفق من اهل الثراء بحثا عن المتعة الزائلة.
في مقارنة سريعة ومفارقات عجيبة نرى ونشاهد سباق نشاهده من حين لاخر في حفلات النجوم التي تقام في المنتجعات السياحية مابين مارينا والسحل الشمالي والعلمين واسعار تذاكر الحفلات التي تعانق عنان السماء تكشف لنا التباين الموجع ويفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول عدالة الفرص، واتساع الفجوة الاقتصادية، وطبيعة الأولويات في الشارع المصري والعربي، وتتعدد الاسئلة من اين اتى هؤلاء بتلك الملايين في حين هناك الالاف من الكادحين يصرخون من اجل ادراجهم في بطاقات التموين!
طاحونة العيش والبحث عن الأمان المعيشي يقابلنا يومياً شباب في مقتبل العمر يواجهون مخاطر جمة ويموتون على الأسفلت أو في قوارب الموت وأعماق ورش الإنشاءات بحثاً عن “اللقمة الحلال”، في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة ومعدلات بطالة وتضخم تجعل توفير الحد الأدنى للحياة معركة يومية قاسية.
في المقابل، تشهد الفعاليات الكبرى وحفلات النجوم الكبار مثل عمرو دياب في الساحل الشمالي إقبالاً هائلاً وأرقام حجز فلكية تفوق الخيال، تستهلك فيها مبالغ طائلة في ساعات معدودة، مما يعكس وجود قطاعات تعيش في رفاهية مالية بعيدة كل البعد عن الواقع المعيشي للغالبية العظمى.
هذه المفارقة ليست مجرد صدفة بصرية، بل هي انعكاس لحالة التشظي الاجتماعي والاقتصادي، حيث تتآكل الطبقة المتوسطة وتتراجع خطوط التماس بين الطبقات، ليصبح الشباب بين شقّي رحى، إما صراع مستميت من أجل البقاء، وإما هروب مؤقت نحو صخب الحفلات والبهجة الافتراضية لمن يملك الثمن.
حفلات الفنانة شيرين عبد الوهاب
شهدت حالة من الجدل الواسع والاهتمام الإعلامي المكثف، عقب القفزات القياسية وغير المسبوقة في أسعار تذاكر الحفلات الجماهيرية وتحديداً حفلها البارز الذي أقيم على مسرح بورتو جولف العلمين ضمن فعاليات موسم “يلا ساحل” بالساحل الشمالي.
سجلت تذاكر الحفل تصاعداً متسارعاً مع كل مرحلة بيع جديدة أعلنتها الجهة المنظمة، حيث بدأت التذاكر العادية بمستويات مقبولة نسبياً في مرحلة الحجز المبكر، قبل أن تشهد الفئات الخاصة و”اللاونج” طفرات هائلة بلغت ذروتها في المراحل الأخيرة.
فئات الـ VIP والطاولات المرتفعة: تراوحت أسعارها بين 95 ألفاً و110 آلاف جنيه للطاولات المخصصة، بينما سجلت فئات كبار الزوار وقوفاً والمنطقة القريبة من المسرح (Fan Pit) والتذاكر العادية مستويات متباينة تناسب الشرائح المختلفة.
أدى الإقبال الجماهيري المكثف على منصات الحجز الرسمية إلى إعلان حالة النفاد لمراحل الحجز المبكر (Wave 1, 2, 3) خلال ساعات معدودة من فتح باب الحجز.
دفع الضغط الهائل على الموقع الشركات المنظمة إلى طرح شرائح وموجات جديدة بأسعار محدثة لمواكبة رغبة الجمهور العارمة في حضور العودة الجماهيرية الكبرى لشيرين داخل مصر.
في الجانب الاخر والوجه المظلم فواتير الدم والشقاء، تتكرر المشاهد المؤلمة وتتعدد فصولها، لكن الألم يظل واحداً؛ شباب في زهرة العمر وريحانة الشباب يغادرون بيوتهم مع ساعات الفجر الأولى، متسلحين بالدعوات وأمل في تأمين لقمة عيش حلال، ليعودوا جثامين هامدة أو أرقاماً في دفاتر حوادث الطرق .
إنها ظاهرة. “الموت في سبيل الرزق”، التي أصبحت نافذة يومية تطل على واقع قاسي يعانيه قطاع عريض من شبابنا، فحين يصبح مكان الرزق مقبرة، لا تقتصر مخاطر البحث عن العمل على غمار الهجرة غير الشرعية فحسب، بل تمتد لتلتهم أرواح العمالة الشبابية في المهن اليومية والمواقع الإنشائية التي يغيب عنها الحد الأدنى من شروط واحتياطات السلامة والصحة المهنية، سقالات البناء والمصانع، يقف عمال الترحيل واليومية معلقين بين السماء والأرض على سقالات متهالكة، أو يعملون في أفران وأجهزة مصانع تفتقر لأبسط قواعد الحماية، لتنتهي حكايات كفاحهم بسقطة مفاجئة أو حادث عمل مأساوي.
لم تتوقف تلك المشاهد عند هذا الحد، فهاك طرق الموت (عمال الدليفري والنقل) تحولت الشوارع والطرق السريعة إلى حلبة صراع يومي لشباب عمال التوصيل وسائقي النقل الباحثين عن زيادة الدخل عبر سباق محموم مع الزمن، لتصبح حوادث الطرق خطراً داهماً يخطف مئات الأرواح سنوياً.
وكذلك قوارب الموت والهجرة غير النظامية، يقامر الآلاف بحياتهم في رحلات بحرية مظلمة عبر قوارب متهالكة هرباً من انسداد الأفق وضيق العيش، لتكون النهاية إما قاع البحر أو غياهب المجهول.
تقف خلف هذه المآسي شبكة معقدة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب نحو قبول المخاطر الكبرى، تراجع فرص العمل المنتظم وغياب عقود العمل المستقرة والغطاء التأميني والصحي يدفع الشباب نحو “اقتصاد الظل” والمهن المؤقتة والخطرة التي تفتقر لأي أمان وظيفي مع التضخم المتسارع وضغوط الحياة اليومية وتكاليف الزواج وتلبية متطلبات الأسر تخلق شعوراً بالضغط المستمر، يجعل الشاب مستعداً لخوض المخاطر والموت جسدياً من أجل تأمين قوت أهله.
انها مقارنة سريعة ومفارقات عجيبة تكشف لنا الحجم الحقيقي في تركز الثروات والأصول الضخمة في أيدي قلة قليلة (الطبقة فائقة الثراء)، مقابل اتساع قاعدة الطبقة المتوسطة ومعاناتها المستمرة، واقتراب قطاعات واسعة من خط الفقر والبحث المضني عن مقومات البقاء الأساسية، لك الله ايها الشعب المكافح.
عبدالعظيم القاضي يكتب: طاحونة العيش والمتعة الزائلة








