المهندس خالد محمود خالد يكتب: حين يستخدم الصغير اسم الكبير

حدث أمامي موقف بسيط، لكنه جعلني أفكر في مشكلة أكبر بكثير من تفاصيله.
دخل أحد الموظفين إلى محل لبيع الطعام، وطلب بعض الأشياء، وقال لصاحب المحل إنها لصالح مسؤول أكبر منه. وعندما حان وقت الحساب، لم يدفع، وكأن مجرد ذكر اسم المسؤول كافٍ لإعفاءه من الدفع.
لم يكن صاحب المحل يعترض على الشخص نفسه بقدر ما كان يعترض على تكرار الأمر. وعندما أصر على موقفه، جاءه الرد بما معناه: «سأبلغ المسؤول».
وانتهى الموقف في ظاهره، لكن بعد فترة قصيرة حضر شخص آخر من الجهة نفسها، وطلب من صاحب المحل أن يتحدث مع المسؤول.
قد تبدو الواقعة تافهة، وربما لا تتجاوز قيمة ما تم طلبه ثمن عدة سندوتشات. لكن المشكلة ليست في السندوتشات، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها السلطة من صاحبها إلى شخص لا يملكها أصلًا.
فالموظف الصغير عندما يقول للناس «هذا الأمر يخص فلانًا»، أو «أنا أعمل مع فلان»، قد لا يقصد دائمًا إساءة استخدام السلطة، لكنه في بعض الأحيان يتصرف وكأن قربه من المسؤول يمنحه نفوذًا إضافيًا.
وهنا تبدأ المشكلة.
فإذا كان المسؤول نفسه لا يعلم بما حدث، فقد يجد اسمه مستخدمًا في مواقف لم يطلبها، وقد يتحمل في نظر الناس نتيجة تصرف لم يصدر عنه.
أما صاحب المحل أو المواطن العادي، فهو لا يستطيع أن يعرف ما إذا كان الموظف يتحدث بتعليمات حقيقية أم يستخدم اسم المسؤول من تلقاء نفسه.
والأخطر من ذلك أن تكرار هذه التصرفات الصغيرة يصنع مع الوقت صورة ذهنية لدى الناس: أن الوصول إلى صاحب السلطة أو العمل بالقرب منه يمنح الإنسان امتيازات خاصة، وأن اسم المسؤول يمكن أن يستخدم للضغط أو الحصول على معاملة مختلفة.
وهنا يتحول الأمر من تصرف فردي إلى مشكلة تمس صورة المؤسسة كلها.
فالسلطة الحقيقية لها حدود، ومن أهم هذه الحدود أن يعرف كل شخص ما هي صلاحياته وما ليست من صلاحياته.
ليس من حق الموظف أن يستعير سلطة رئيسه لمجرد أنه يعمل معه، وليس من حقه أن يجعل اسم المسؤول وسيلة للحصول على شيء لنفسه أو للضغط على شخص آخر.
وقد تكون المفارقة أن هذا الموظف يعتقد أنه يحافظ على هيبة المسؤول، بينما هو في الحقيقة يسيء إليها.
فهيبة المسؤول لا تُبنى على خوف الناس من اسمه، وإنما على احترامهم له وللقواعد التي يمثلها.
والمسؤول نفسه قد يكون في أمس الحاجة إلى حماية من هذا النوع من التصرفات؛ لأن المرؤوس الذي يستخدم اسمه دون علمه يمكن أن يسبب له ضررًا أكبر مما يتسبب فيه خصم واضح أو معارض صريح.
ومن هنا تأتي أهمية الرقابة على السلوك اليومي للموظفين، وليس فقط على القرارات الرسمية.
فقد لا تبدأ إساءة استخدام السلطة بقرار كبير أو مخالفة ضخمة. أحيانًا تبدأ بطلب صغير، أو خدمة مجانية، أو مجاملة، أو عبارة مثل «أنا تبع فلان».
ثم يتطور الأمر عندما يكتشف الموظف أن اسم المسؤول يفتح له الأبواب، وأن الآخرين يخشون الدخول في مواجهة معه.
وعندها يصبح الاسم نفسه نوعًا من النفوذ الشخصي.
المشكلة إذن ليست في الشخص الصغير وحده، وإنما في الثقافة التي تسمح له بأن يشعر أن سلطة الكبير يمكن أن تُستعار وتُستخدم عند الحاجة.
وإذا أردنا مؤسسات قوية تحظى باحترام الناس، فعلينا أن ندرك أن حماية هيبة المسؤول لا تكون فقط بحماية منصبه، وإنما أيضًا بمنع الآخرين من المتاجرة باسمه أو استخدام سلطته خارج حدود اختصاصهم.
فالمسؤول قد يخطئ، وهذا أمر يمكن محاسبته عليه. لكن الأخطر أحيانًا أن يُنسب إليه خطأ لم يرتكبه، فقط لأن أحد المحيطين به قرر أن يستخدم اسمه.
ولهذا فإن بعض التصرفات التي تبدو صغيرة جدًا قد تكون لها آثار أكبر بكثير من حجمها.
فربما كان الموقف الذي شاهدته مجرد خلاف على ثمن بعض السندوتشات، لكنه يطرح سؤالًا يستحق التأمل:
كم مرة يُحاسب الناس في أذهانهم مسؤولًا على تصرف لم يصدر عنه، وإنما صدر عن شخص صغير قرر أن يستخدم اسمه؟
أحيانًا لا يحتاج الأمر إلى مسؤول يسيء استخدام سلطته.
يكفي موظف صغير يعتقد أن قربه من السلطة يمنحه الحق في استخدامها.
المهندس خالد محمود خالد يكتب: حين يستخدم الصغير اسم الكبير








