آراء

م. خالد محمود خالد يكتب : المواطن والشاطئ .. حق طبيعي ام خدعة الهروب من المسؤولية الإدارية؟

الشاطئ المجاني ليس مجرد بوابة تُفتح أمام الناس، بل هو حق طبيعي يجب أن يصاحبه حد أدنى من الخدمة والتنظيم والاحترام للمواطن.

ومن غير المنطقي أن تتحول فكرة مجانية الشواطئ إلى مناسبة دائمة لجلد الناس واتهام المجتمع كله بعدم التحضر أو انعدام المسؤولية.

نعم، الحفاظ على النظافة واجب على الجميع، لكن الواجب لا ينفصل عن وجود خدمة عامة حقيقية تساعد الناس على الالتزام.

فلا يمكن مطالبة المواطن بعدم إلقاء المخلفات بينما لا يجد صندوق قمامة واحدًا على امتداد الشاطئ، أو يضطر للعودة بمخلفاته إلى منزله لأن الجهة المسؤولة لم توفر أبسط أدوات النظافة.

المشكلة أن البعض يتعامل مع المواطن وكأنه أصل الأزمة الوحيد، بينما يتم تجاهل غياب الإدارة والخدمة والتنظيم.

ويتحول الحديث بسرعة إلى: “الشعب غير مسؤول”، و”المواطن لا يستحق المجانية”، و”الناس لا تعرف تحافظ على المكان”.

وكأن الحل دائمًا هو حرمان المواطن، لا إصلاح الخدمة.

هذا النوع من جلد الذات خطير، لأنه يزرع داخل الناس إحساسًا بالدونية، ويجعل المواطن يقتنع تدريجيًا بأنه لا يستحق الخدمة العامة الجيدة، أو أن أي مساحة مجانية يجب أن تُغلق أو تُخصخص لأن “الناس لا تنفع معها المجانية”.

والأخطر أن هذا الخطاب يتم الترويج له إعلاميًا بشكل متكرر، حتى يصبح تمهيدًا نفسيًا لفكرة أن الحل الوحيد للنظام والنظافة هو إلغاء المجانية أصلًا.

فيقتنع المواطن مع الوقت أن من حقه الطبيعي أن يُحرم من الشاطئ المجاني، لا أن يطالب بخدمة أفضل وإدارة محترمة.

مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.

حتى لو التزم 90% من الناس بالنظافة، فستظل هناك قلة تتصرف بشكل خاطئ، وهذا يحدث في كل دول العالم بلا استثناء.

ولهذا السبب تحديدًا توجد صناديق قمامة، وعمال نظافة، ونظم متابعة وصيانة مستمرة.

لأن إدارة الأماكن العامة لا تُبنى على افتراض أن كل البشر ملائكة، بل على وجود خدمة قادرة على التعامل مع أخطاء البشر الطبيعية.

وفي الدول التي تحترم مواطنيها، لا يُترك الشاطئ للفوضى ثم يُلقى اللوم بالكامل على الناس.

هناك عمال نظافة، وفرق إنقاذ، ورايات تحذير، وخدمات تعمل طوال الوقت حتى يستمتع المواطن بيومه بشكل آمن ومحترم.

بعض الدول تخصص غرف عمليات كاملة لمتابعة الشواطئ وإنقاذ الغرقى والتعامل مع الطوارئ، وكل ذلك باعتباره خدمة عامة طبيعية للمواطن.

أما نحن، فلا نطلب كل هذه الإمكانيات الضخمة.
لا نطلب غرف عمليات ولا تقنيات معقدة.

كل ما نحتاجه أشياء بسيطة جدًا:
صندوق قمامة، عامل نظافة، راية سوداء وقت الخطر، وفرد إنقاذ يحمل صفارة وينبه الناس.

المواطن لا يذهب إلى الشاطئ ليقوم بدور شركة النظافة، ولا ليشعر أنه متهم طوال الوقت بعدم التحضر.

هو يذهب ليستمتع بالبحر ويقضي يومًا طبيعيًا بكرامة، ومن حقه أن يحصل على خدمة أساسية محترمة بدلًا من تحويله دائمًا إلى شماعة للفشل الإداري وضعف الخدمات.

م. خالد محمود خالد يكتب : المواطن والشاطئ .. حق طبيعي ام خدعة الهروب من المسؤولية الإدارية؟

زر الذهاب إلى الأعلى