النائب محمد اسماعيل يكتب: محطات مضيئة في مسيرة العلاقات المصرية الصينية

تمر العلاقات المصرية الصينية هذا العام بذكرى السبعين لتأسيسها وهي ذكرى تحمل في طياتها دلالات عميقة على مستوى التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقود الماضية وتأتي هذه الذكرى متزامنة مع زيارة الرئيس الصيني لمصر في لحظة مفصلية يعيد فيها الجانبان ترتيب أولويات التعاون المشترك في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب يشهد إعادة تشكيل لتحالفاته ومراكز قوته الاقتصادية والسياسية ومنذ إعلان إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين في عام ١٩٥٦ مثلت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وهو قرار انطلق من رؤية سياسية آمنت بأهمية التضامن بين دول الجنوب وبضرورة كسر الاحتكار الغربي للقرار الدولي وقد شكلت تلك الخطوة نقطة انطلاق لمسار طويل من التنسيق في المحافل الدولية حيث وقفت القاهرة وبكين إلى جانب بعضهما في دعم حركات التحرر الوطني وفي مواجهة سياسات الهيمنة وفي الدفاع عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومع مرور العقود تحولت العلاقة من إطار سياسي تضامني إلى شراكة استراتيجية شاملة تلامس كل القطاعات الحيوية للدولتين.
وقد شهدت السنوات الأخيرة قفزة نوعية في حجم التبادل التجاري الذي تجاوز أرقاما غير مسبوقة لتصبح الصين الشريك التجاري الأول لمصر لسنوات متتالية ويعكس ذلك التحول في بنية الاقتصاد المصري الذي بات يعتمد على استيراد الآلات ومعدات الإنتاج والمدخلات الصناعية من الصين إلى جانب تصدير منتجات مصرية تقليدية وغير تقليدية إلى السوق الصينية الضخمة التي تمثل فرصة لا تعوض للمصدرين المصريين وفي الجانب الاقتصادي برزت مبادرة الحزام والطريق كنقطة تحول كبرى في العلاقات حيث وجدت مصر في هذه المبادرة إطارا عمليا لتوسيع استثمارات البنية التحتية والنقل والموانئ والطاقة وتعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجا بارزا لهذا التعاون حيث أقامت عشرات الشركات الصينية مصانعها هناك مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لمصر كبوابة للأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية وقد وفرت هذه المصانع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة وساهمت في نقل التكنولوجيا وتوطين صناعات جديدة مثل المنسوجات والكيماويات والإلكترونيات ومكونات السيارات والطاقة الجديدة وفي قطاع الطاقة شهد التعاون الصيني المصري توسعا ملحوظا شمل مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومحطات الفحم النظيف ومشروعات الشبكات الذكية.
كما لعبت الشركات الصينية دورا محوريا في مشروعات البنية التحتية الكبرى في مصر من بينها العاصمة الإدارية الجديدة حيث شاركت في تنفيذ الحي الحكومي ومركز المؤتمرات وناطحة السحاب التي تعد الأعلى في أفريقيا وفي مجال النقل ساهمت الصين في مشروع القطار الكهربائي الخفيف ومشروعات مترو الأنفاق ومشروعات الموانئ مما عز من قدرة مصر اللوجستية وجعلها مركزا إقليميا للنقل والتجارة وعلى الصعيد السياسي توافقت رؤى القاهرة وبكين حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية وعلى رأسها دعم حل الدولتين للقضية الفلسطينية والحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخل الخارجي في شؤون المنطقة.
وقد أثبتت الصين أنها شريك يمكن الاعتماد عليه في مجلس الأمن وفي المنصات متعددة الأطراف بينما قدمت مصر للصين عمقا استراتيجيا في الشرق الأوسط وأفريقيا وخبرة تاريخية في إدارة ملفات معقدة وفي الإطار الثقافي والتعليمي توسعت جسور التواصل بين الشعبين من خلال إنشاء معاهد كونفوشيوس في الجامعات المصرية وزيادة أعداد المنح الدراسية للطلاب المصريين في الصين وتبادل البعثات الأكاديمية والثقافية والفنية.
وقد لعبت اللغة الصينية دورا متزايدا في مصر مع إدخالها في عدد من المدارس الحكومية مما يعكس إدراكا لأهمية المستقبل الذي تربط مصر بالصين وفي مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي بات التعاون مع الشركات الصينية ركيزة أساسية في خطة مصر للتحول إلى مجتمع رقمي حيث تساهم في إنشاء مراكز البيانات وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوطين صناعة الهواتف الذكية والإلكترونيات وتأتي زيارة الرئيس الصيني للقاهرة في هذا التوقيت لتؤكد أن العلاقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها التكامل الإنتاجي والتصنيعي وليس فقط التبادل التجاري حيث تسعى الدولتان إلى إنشاء سلاسل توريد مشتركة والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها مصر مع التكتلات الإقليمية لتكون قاعدة انطلاق للمنتجات الصينية إلى أفريقيا والشرق الأوسط كما تبحث الزيارة سبل تعزيز التعاون في العملات المحلية وتسهيل التمويل المشترك للمشروعات الكبرى في ظل التحديات العالمية المتعلقة بالتضخم وسلاسل الإمداد وأزمات الطاقة وإن مرور سبعين عاما على العلاقات المصرية الصينية ليس مجرد احتفال بتاريخ مشترك بل هو إعلان عن مستقبل تقوده مصالح متبادلة ورؤية مشتركة لعالم أكثر توازنا وعدالة حيث تمثل مصر بوابة الصين إلى أفريقيا والعالم العربي وتمثل الصين لمصر شريكا في التصنيع والتكنولوجيا والتنمية الشاملة.
وقد أثبتت التجربة أن الشراكة بين القاهرة وبكين قادرة على الصمود أمام التقلبات الدولية وعلى تقديم نموذج مختلف للتعاون بين دول الجنوب يقوم على الاحترام المتبادل وعدم فرض الشروط وتحقيق المنفعة للطرفين وفي ختام هذه المرحلة تبدو الرسالة واضحة أن العقد الثامن من العلاقات سيكون عقد البناء المشترك والتصنيع المشترك والابتكار المشترك بما يخدم تطلعات الشعبين نحو تنمية مستدامة واستقرار إقليمي ودور أكبر في صياغة ملامح النظام العالمي الجديد
النائب محمد اسماعيل يكتب: محطات مضيئة في مسيرة العلاقات المصرية الصينية








