طاهر إدريس يكتب : أحمد بهاء الدين.. حين يصمت الصوت ويبقى الأثر

في الرابع والعشرين من شهر أغسطس عام 1996 انطفأ قلم ولم تنطفئ فكرة.
إن رحيل أحمد بهاء الدين ليس ككاتب صحفي عادي بل كضمير كان يمشي على قدمين في بلاط صاحبة الجلالة.
لم أعاصره ولم أشرف بمقابلته نظرا لاختلاف الأجيال ولكن ما سمعته عنه وما قرأت له من كتابات جعلتني ملهما به وعلمت أنه لم يكن يبحث عن منصب رغم أن المناصب هي التي كانت تبحث عنه.
فهو أول وأصغر رئيس تحرير لمجلة “صباح الخير” وهو في الثلاثين من عمره عام 1957، ثم رئيس تحرير دار الهلال، والأهرام، وأخبار اليوم، ومجلة العربي الكويتية التي جعل منها جامعة عربية متنقلة.
وهو الذي جلس على مقعد نقيب الصحفيين المصريين عام 1967 لدورة واحدة ورئيس اتحاد الصحفيين العرب لثماني سنوات لا ليحكم بل ليحمي المهنة من أن تتحول إلى وظيفة.
أطلقوا عليه “الكاتب الضمير” و “غاندي الصحافة المصرية” ولم يكن ذلك مجاملة. كانت مدرسته تقول إن الصحافة ليست صراخا ولا إثارة رخيصة، بل عقل يعمل، وضمير لا يساوم، وتشويق يحترم القارئ.
كان له عموده اليومي الشهير “يوميات” في الأهرام، ومنه خرج آخر كتبه “يوميات هذا الزمان”. كان يكتب كأنه يهمس لك لكن همسه كان يوقظ أمة. كتبه “أيام لها تاريخ” و “محاوراتي مع السادات” لم تكن كتبًا، كانت شهادة على عصر كامل.
الرجل الذي قال “لا” بهدوء
في زمن كان الكل يصفق، كتب أحمد بهاء الدين مقالته الأشهر والأخطر “انفتاح السداح مداح” ليكون أول من يهاجم سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد الراحل الرئيس السادات.
لم يكن معارضا أجوفا، ولم يكن مؤيدا أعمى. آمن بالزعيم جمال عبد الناصر كفكرة ولم يقابله مرة واحدة واختلف مع الراحل السادات باحترام حتى أن الرئيس السادات نفسه لم يفقد احترامه له.
استقال من الأهرام وسافر إلى الكويت لكنه لم يترك ضميره على الباب.
تلك هي الشجاعة التي نفتقدها اليوم: أن تقول الحقيقة دون أن تصرخ وأن تختلف دون أن تكره.
المفارقة الغريبة الموجعة هي أن الرجل الذي عاش بالقلم، مات في صمت طويل. بعد صراع مع المرض على خلفية غزو العراق للكويت، دخل علي إثر ذلك في غيبوبة استمرت ست سنوات كاملة حتى رحل.
ست سنوات والضمير نائم، وكأن القدر أراد أن يمنحنا وقتا لنفهم قيمة أن يكون بيننا ضمير حي.
رحل الجسد عن 69 عامًا، وبقيت السيدة حرمه تخلد اسمه من خلال عمل خيري تكافلي أطلقت عليه “أصدقاء أحمد بهاء الدين” وكذلك بقي قصر ثقافة باسمه في مسقط رأسه قرية الدوير بصدفا في أسيوط، قبلة للمثقفين في صعيد مصر.
إننا نتذكر الراحل أحمد بهاء الدين اليوم لأننا نحتاج أن نسأل أنفسنا : إلي أين ذهبت الصحافة؟
أين ذهب الصحفي الذي كان يرى أن الكلمة أمانة، وأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن القارئ ليس زبونا بل شريك في الوعي؟
في ذكرى أحمد بهاء الدين، نحن لا نحيي ذكرى رجل مات، نحن نحاول إيقاظ ضمير مهنة كادت أن تموت.
سلام على روحك يا أستاذ بهاء..
علمتنا أن القلم قد ينكسر، لكنه لا ينحني، وأن الصحفي قد يرحل، لكن الضمير لا يموت.
طاهر إدريس يكتب : أحمد بهاء الدين.. حين يصمت الصوت ويبقى الأثر








